: آخر تحديث

ما بعد هرمز: معضلة مضيق ملقا الصينية

4
3
2

عبدالرحمن الحبيب

قال وزير الخارجية السنغافوري، فيفيان بالاكريشنان، الشهر الماضي: «إذا اندلعت الحرب في المحيط الهادئ، فإن ما نشهده الآن في مضيق هرمز ليس إلا بروفة». مشيراً بذلك إلى مضيق ملقا وهو ممر مائي أطول بخمس مرات وأضيق بعشر مرات من مضيق هرمز في أضيق نقطة فيه، ويقع بين إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، ويمثِّل أحد أهم الممرات البحرية الإستراتيجية على مستوى العالم، لأنه يربط المحيط الهندي ببحر الصين الجنوبي، ويستوعب أكثر من 60 ألف سفينة سنويًا، ما يُمثِّل نحو 25 % من التجارة البحرية العالمية، بما في ذلك حوالي 80 % من واردات الصين من النفط الخام.

هذا المضيق يمثِّل نقطة ضعف إستراتيجية تواجه الصين، ومن هنا صاغ الزعيم الصيني هو جين تاو مصطلح «معضلة ملقا» (Malacca dilemma) عام 2003، واصفًا التحدي الإستراتيجي الذي تواجهه الصين في تأمين الوصول إلى طرق الطاقة والتجارة الحيوية، إذ تعتمد البضائع الصينية اعتمادًا كبيرًا على هذا المضيق؛ كما أنه يمثِّل شريان الحياة الرئيسي للطاقة لحلفاء الولايات المتحدة مثل كوريا الجنوبية واليابان والفلبين، مما يجعل السيطرة على هذا الممر المائي أمرًا بالغ الأهمية في أي صراع مستقبلي بين الولايات المتحدة والصين.

في إشارة إلى احتمال نشوب صراع مستقبلي بين الولايات المتحدة والصين، قال القبطان البحري الأسترالي المتقاعد شون أندروز: «لو كنتُ قائدًا للبحرية، لأغلقتُ مضيق ملقا. في أي أزمة محتملة، سيُصبح مضيق ملقا بمثابة بوابة أمنية.. سيُسمح لبعض السفن بالمرور، ولن يُسمح لبعضها الآخر.» (إن بي سي نيوز، هونغ كونغ).

«لقد تغيَّرت السيطرة على الممرات المائية بشكل جذري» في أعقاب أزمة هرمز، وفقاً لما قاله كريستيان بوغر، أستاذ بجامعة كوبنهاغن ومؤلف كتاب «فهم الأمن البحري»، مضيفاً: «لم يعد بالإمكان ضمان حرية الملاحة باستخدام السفن الحربية.»

وتحسباً لذلك، نفَّذت الصين إستراتيجية للتخفيف من هذه المعضلة، بالتركيز على تنويع طرق استيراد الطاقة عبر خطوط الأنابيب من آسيا الوسطى وروسيا وباكستان وميانمار، من خلال مبادرة الحزام والطريق. إضافةً إلى ذلك، تعمل الصين على تطوير مرافق موانئ إستراتيجية، تُعرف باسم «سلسلة اللؤلؤ»، في المحيط الهندي، مع تعزيز قدراتها البحرية لتأمين طرق التجارة البحرية، والتوسع العسكري عبر بناء قواعد بحرية وتوسيع سيطرتها لضمان حرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي والمحيط الهندي.

ردود الفعل الإقليمية والدولية تباينت على جهود الصين؛ فقد وسّعت الهند وجودها البحري وعزَّزت علاقاتها مع دول المنطقة استجابةً لمخاوفها من الحصار الإستراتيجي، بينما سعت الصين إلى بناء علاقات اقتصادية وأمنية مع دول جنوب شرق آسيا، على الرغم من النزاعات الإقليمية المستمرة.

أما الولايات المتحدة، التي تعتبرها التقييمات الإستراتيجية الصينية تهديدًا محتملاً لأمن الطاقة، فقد حافظت على وجود بحري قوي ووضعت إستراتيجيات لتقييد وصول الصين إلى الممرات الملاحية الرئيسية.

لا يخلو مضيق ملقا من الاتفاقيات، بل يخضع لسلسلة من الاتفاقيات بين سنغافورة وماليزيا وإندونيسيا وتايلاند لضمان حرية الملاحة، بدءًا من الدوريات البحرية المنسقة والمراقبة الجوية وصولاً إلى تبادل المعلومات الاستخباراتية وحماية البيئة.

الباحثة بجامعة سنغافورة الوطنية باربورا فالوكوفا، قالت: «تضطلع سنغافورة بدور منسق في هذا المجال.» موضحة رسالة سنغافورة إلى دول المنطقة مفادها أن «درس هرمز ربما يكمن في ضرورة مضاعفة جهودنا للحفاظ على ملقا مفتوحة، وآمنة، ومعزولة قدر الإمكان عن أي مواجهة جيوسياسية أوسع نطاقًا.» وأضافت: «فيما يتعلق بأمريكا والصين، فقد أوضحنا لهما أننا نعمل وفقًا لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار: حق المرور مكفول للجميع. ولن نشارك في أي محاولات لإغلاق أو منع أو فرض رسوم في جوارنا» (ميثيل أغاروال، إن بي سي نيوز).


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد