ثمة عقبة تحول دون فهم الأسباب الدقيقة الكامنة وراء «الشغف الغريب» الذي أبدته جهات في الحكومة الأميركية بـ«الظواهر الجوية غير المحددة» و«الذكاء غير البشري»، أو ما يعرف بلغة العوام «الأطباق الطائرة والكائنات الفضائية». وتتمثل هذه العقبة في الحرج المهني الذي يكتنف الصحافيين عند الطرح المباشر لهذا الملف. فما لم يكن المراسل الصحافي منغمساً كلياً في هذا الشأن، ومتحللاً من قيود «الوقار المهني»، يصعب عليه التعامل مع هذا الملف كقضية ملحة، يطالب فيها بإجابات حاسمة، بعيداً عن التلميح الساخر، على غرار مطالبته بإيضاحات حول الضربات العسكرية في إيران، أو سياسات الهجرة، حتى قضية جيفري إبستين.
بيد أن نظرة فاحصة لما يمكن أن تحققه بضعة أسئلة مباشرة كفيلة بتغيير هذا المشهد. ففي غضون هذا الشهر، وجّه «برايان تايلر كوهين» وهو صانع محتوى على «يوتيوب» ومنصات البثّ الرقمي، سؤالاً إلى باراك أوباما حول الكائنات الفضائية، فألمح الرئيس الأسبق إلى وجودها، مع نفيه امتلاك أي علم شخصي بأسرار تلك الكائنات. وهو ما استدعى توضيحاً لاحقاً من أوباما، أشار فيه إلى أنه قصد فحسب أن تلك الكائنات «من المحتمل» وجودها في مكان ما... (فالكون واسع الأرجاء!).
بيد أن أحجار «الدومينو» بدأت بالتساقط، ففي مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض، وُجِّه سؤال إلى كارولين ليفيت حول شائعات تتردد في الفضاء الرقمي، مفادها أن دونالد ترمب أعدَّ خطاباً حول الكائنات الفضائية (وهو ما نفت علمها به). ثم تلا ذلك سؤال من بيتر دوسي، مراسل قناة «فوكس نيوز»، لترمب نفسه حول تعليقات أوباما، وهو ما أسفر عن زعم غريب لترمب بأن الرئيس الأسبق قد كشف عن معلومات مصنفة «سرية للغاية»، أعقبه تعهد «ترمبي» عبر وسائل التواصل الاجتماعي برفع السرية عن كل ما يتعلق بهذه «المسائل البالغة التعقيد، والمهمة والمثيرة للاهتمام في آن واحد».
وإني لأرجح كفة الرهان ضد فكرة أن هذا «الإفصاح» المزعوم سيفضي إلى ما هو أكثر من مجرد «تسريبات منقوصة» ومطموسة بشدة. ولكن، بما أن السلك الصحافي قد بدأ يتقبل الخوض في هذا الموضوع، فقد بات من الأهمية بمكان صياغة أسئلة قائمة على أرض الواقع، يمكن لجهود رفع السرية أن تساعدنا في حلّ طلاسمها، ويصبح من المنطقي حينها ممارسة الضغط على مسؤولي الإدارة لتقديم إجابات شافية حولها.
أولاً: هل يمتلك الجيش الأميركي لقطات جوية سرية إضافية، على غرار تلك الفيديوهات التي سجلتها مقاتلات البحرية الأميركية ونشرتها هذه الصحيفة عام 2017، مؤذنة ببدء العصر الحالي من الاهتمام المتزايد بالأجسام الغريبة في سمائنا وبحارنا؟
ثانياً: لماذا تفرز أجهزة الأمن القومي باستمرار دفعات ممن يصفون أنفسهم بـ«المبلغين عن المخالفات»، ممن يزعمون عثورهم على نوع من «البرامج الموروثة» المخصصة للتواصل مع ذكاء غير بشري؟ هل هؤلاء الأشخاص كاذبون، أم أنهم ضحايا لخداع الذات؟ ربما نتيجة سوء فهم لبرامج سرية اعتيادية.
ثالثاً: لماذا يتصرف ويتحدث أعضاء بارزون في مجلس الشيوخ، وكأنهم يؤمنون بأن أجهزة الأمن القومي تحجب معلومات أو «مواد» تتعلق بهذا الشأن عن المسؤولين المنتخبين؟ ما الدافع الملموس وراء الإجراءات التي تدفع نحو كشف أسرار «الظواهر الجوية غير المحددة»؟
رابعاً: هل ثمة نصيب من الحقيقة في المزاعم القائلة إن وكالات حكومية أو مسؤولين رسميين على اتصال بأشخاص يصفون أنفسهم بأنهم «مرّوا بتجارب تواصل مع الأطباق الطائرة»، أو أن تلك الجهات تقتفي أثراً لخيوط أخرى من «خوارق الطبيعة»؟
خامساً: كيف يرتبط كل ما سبق بذكر «النيفيليم» (الجبابرة) في سفر التكوين، أو بـ«المراقبين» في سفر «أخنوخ» المُخْتَلَق؟... حسناً، يبدو أن جعبتي لا تحتوي إلا على أربعة أسئلة فقط قائمة على أرضية الواقع.
بيد أن هذه الأسئلة الأربعة كافية لوضع معيار معقول لأي جهد قد تبذله إدارة ترمب في سبيل كشف الأسرار. فإذا ما نجحت هذه الجهود في فكّ طلاسم بعض هذه التساؤلات بطريقة منطقية وواقعية، فستكون قد قدّمت خدمة جليلة للرأي العام، وإن لم تُرضِ تطلعات كل أصحاب النظريات المختلفة، حتى لو ظلت تفاصيل كثيرة طي الكتمان أو غارقة في دهاليز «الدولة العميقة». وعن نفسي، سأكون قنوعاً بتركيز انتباهي على «الذكاء غير البشري» الذي قد ينبثق من «وادي السيليكون»، بدلاً من ذلك القادم من السماء أو أعماق البحار.

