على امتداد سنوات من متابعة قصص الموهوبين وتوثيق إنجازاتهم، بدا المشهد دائمًا ملهماً، غير أن الصورة اليوم أكثر شمولًا وعمقًا، فقراءة التقرير السنوي الصادر عن مؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله للموهبة والإبداع "موهبة" لا تعني الوقوف عند حدود الأرقام، بل تعني تأمل مشروع وطني يتقدم بثقة، ويكشف عن سر التحولات المتسارعة في ميدان رعاية الموهبة وصناعتها.
فبحسب ما نشرته وكالة الأنباء السعودية، حقق الطلبة السعوديون الموهوبون خلال عام 2025 ما مجموعه 129 جائزة دولية، عبر مشاركاتهم في 26 أولمبياداً ومنافسة عالمية. وبهذا يرتفع رصيد الإنجازات العلمية للمنتخبات السعودية إلى 996 جائزة دولية. هذه الأرقام لا يمكن قراءتها كنجاحات عابرة، بل بوصفها نتيجة تراكم طويل من الاستثمار في المعرفة، وعمل مؤسسي يرسخ استدامة التفوق.
يبرز اتساع قاعدة المشاركة بشكل لافت على الصعيد المحلي، إذ سجل الأولمبياد الوطني للإبداع العلمي "إبداع 2026" رقماً قياسياً بلغ 357,708 طلاب وطالبات من مختلف مناطق المملكة، محققًا بذلك جائزة "غينيس" كأكبر مسابقة للحلول الابتكارية في العالم. كما وصل عدد المسجلين في البرنامج الوطني للكشف عن الموهوبين إلى نحو 95 ألف طالب وطالبة، في مؤشر واضح على تنامي ثقافة الاكتشاف المبكر، وترسيخ قيم البحث والابتكار منذ المراحل الأولى للتعليم.
هذه المنجزات تنسجم بوضوح مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي تضع الإنسان في قلب التنمية، وتراهن على بناء اقتصاد قائم على المعرفة. فالمعادلة لم تعد ترتكز على الموارد الطبيعية وحدها، بل على العقول القادرة على الإبداع والمنافسة عالمياً، ومن خلال منظومة متكاملة تبدأ بالاكتشاف، وتمر بالرعاية، وتنتهي بالتمكين، تسهم "موهبة" في إعداد جيل من العلماء والمبتكرين ورواد التقنية، القادرين على قيادة التحول نحو اقتصاد معرفي مستدام.
إن ما نشهده اليوم من حضور لافت في المحافل الدولية، وما يتحقق من أرقام قياسية محليًا، ليس إلا انعكاساً عملياً لهذه الرؤية الطموحة؛ حيث تتحول الموهبة إلى طاقة إنتاج معرفي، ويصبح الابتكار سلوكاً مجتمعيًا، وتغدو العقول الشابة ركيزة أساسية في مسيرة التنمية.
وهكذا، لم تعد حكايات الموهوبين مجرد قصص نجاح فردية تروى، بل أصبحت فصلاً متصلاً من قصة وطن، يكتب مستقبله بثقة، ويستثمر في أثمن ثرواته.. الإنسان.

