: آخر تحديث

الطارئ والثابت في أدبيات الإسلام السياسي

4
4
4

ثمة فرق بين أن يكون السوري مواطنًا، تلتزم السلطة بحمايته فرضًا قانونيًا دستوريًا عليها.

وبين أن يكون كائنًا بوصفه ابن مكوّن ما، تمنّ السلطة عليه أخلاقًا وإحسانًا منها بحمايته.

في الحالة الأولى: تكون حياة المواطن وعيشه وكرامته وحقوقه حالة دستورية ثابتة؛ قد يجري انتهاكها بصورة فردية طارئة أو خاطئة أو شاذة، بوصفه مواطنًا فردًا لا بوصفه منتميًا إلى مكوّن ما، انتهاكًا يحاسب عليه القانون. وهذا يحصل في دول العالم أجمعها.

وأما في الحالة الثانية، فتصير حياته وعيشه وكرامته حالة وجودية طارئة قابلة للإلغاء عند أي ظرف طارئ آخر. أي يصير الوطن حالة من حالات المعتقلات النفسية التي لا يعرف المواطن متى يطوله سوط الجلاد.

وللأسف، فإن الحالة الثانية هي ما يتبناها البيان السياسي الإسلامي في أدبياته عامة وفي سوريا خاصة. وهو هنا يثبت عجزه وعدم قدرته على تقديم بديل منهجي سياسي يقدم العكس، أي هو ما يزال أسير أدبياته التي يريدها أن تصير أدبيات الأوطان وقيدها ونظامها وأخلاقها وآسرتها. (فثوابته طارئ الحضارة المعاصرة، وطوارئه ثابت النظام السياسي لعالم اليوم).

والأدبيات السياسية عنده دائمًا هي أدبيات تجتهد في البحث عن مفاصل الاختلاف والتمايز والافتراق، ولا تحبذ إعطاء التشابه قيمة دستورية؛ فلو وُجد في بيئة سياسية متطابقة سيسعى إلى اكتشاف التمايزات أو خلقها، ولو في أدق التفاصيل وأكثرها هامشية. وهو بذلك يهمّش المرجعية القرآنية التي تقوم على الجمع والتعميم، متجاوزًا إياها إلى المرجعية الفقهية الأصولية التي ترتكز على مفهوم الفرقة والتفريق من خلال وهم مقولة الفرقة الناجية، التي قد تنحصر في ثلاث، بل إن كثيرين يصل بهم الأمر إلى جعل نفسه وحده: فرد - الفرقة الناجية.

ويعتمد القائلون بالإسلام السياسي على مكانة الإسلام في وجدان الناس، فيلجؤون إليه بوصفه رمزية لها حضورها النافذ والقوي المؤثر في عقول الناس وضمائرهم؛ ويستغل هذا التيار ما يصار إليه من الخلط بين الرمزية العليا العامة للدين وبرامجهم بوصفها بناء سياسيًا بشريًا. وهذا ما عبّر عنه أحد أشد الأكاديميين الإسلاميين دفاعًا عن المشروع السياسي الإسلامي، الشيخ عدنان زرزور، الذي أدرك أن الناس أغلبها تستجيب لمشاريع التيار الإسلامي بتنوعاته المتعددة والمتباينة من دون أن تهتم بتفاصيل البرامج المقدمة وترتضي منه بالعنوان فقط وتكتفي به لتحديد اختيارها، مؤكدًا أن برامج هذا التيار هي اجتهادات قد تخطئ وقد تصيب، وأقرّ في كتابه (جذور الفكر القومي والعلماني) أن فيها كثيرًا من الأخطاء في التصور والممارسة، نتج عنها كثير من العثرات والصدام.

فاليوم، كل مكوّنات الشعب السوري هي متهمة حتى تثبت العكس، بديلاً عن أن كل مواطن سوري هو مواطن محمي بالقانون حتى يقترف العكس أو يثبّته على نفسه.

هذا فحوى بيان الرأي العام الجمعي عند السلطة وعند جميع المكوّنات المؤيدة والمعارضة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.