: آخر تحديث

التقنية والإنسان... سجالات الإدراك والوعي

7
11
7

منذ بواكير ظهور تقنيات «الذكاء الاصطناعي» بكلّ أفرعها وتشعّباتها انقسم المجال الثقافي إلى قسمَين: منهم من يرى أن هذه التقنية سوف يكون لها حضورها المهول ولكن لا يمكنها أن تفكّر، في حين رأى الفريق المناوئ أن بإمكان التقنية أن تفكّر مع تطوّرها الحالي، وأن تحلّ محل الإنسان حتى على المستوى النظري.

لطالما ارتاح المثقف واطمأن ولم يلقِ بالاً للموج القادم المصاحب لكل هذا التقدم، ولكنه سرعان ما شعُر بالإحباط بعد أن تحوّل البعض إلى استشارة فروع الذكاء الاصطناعي، وبلغت الذروة مع التحدّث المستمر والاستشارات المستفيضة لـ«تشات جي بي تي» على سبيل المثال.

بل إن بعض المثقفين والدارسين يسارعون نحو هذه التقنية لتسريع إنجاز مهماتهم البحثية، وهذا ما جعل مراكز الدراسات تزيد من نسبة التحقق من المصادر في أثناء المراجعة والتحرير، قبل أن تتم الإجازة والنشر.

إنه لسؤالٌ قديم: هل يمكن للتقنية أن تفكر بالنيابة عن الإنسان؟ وهل الحواسيب تدرك؟

أسئلة شغلت الفلاسفة منذ الثلث الثاني من القرن العشرين.

على سبيل المثال، فإن آلان تورين وجون سيرل تساءلا في تلك الحقبة إذا كان بإمكان الحواسيب أن تفكّر. ثم إن تورين -كما يلخّص نايجل واربرتون- مقتنع أن الحواسيب يمكن أن تقوم في يومٍ من الأيام بمهمات أخرى غير فك الشيفرات، بل يمكنها أن تصبح ذكية، واقترح في عام 1951 اختباراً يجب على كل حاسوب أن يجتازه، أصبح يعرف بـ«اختبار تورين» للذكاء الاصطناعي، غير أنه كان يسميه «لعبة التقليد»، ومرد ذلك هو اعتقاده بأن ما يثير الإعجاب حول المخ، ليس لأن له تناسقاً، بل لوظيفته أهمية أكثر من الطريقة التي يرتعش بها عندما يستخرج من الرأس، أو أنه يبدو مهماً لأنه ذو لون رمادي. في حين سيرل يشبّه الحواسيب مثل شخصٍ في غرفة ليس له ذكاء حقاً، ولا يستطيع التفكير، كل ما يفعله هو تنظيم الرموز.

لاحقاً وفي عصرنا الحديث نهض بالمهمة فيلسوف مهم هو هيلاري بوتنام في بحوثه «حول الذهن والمعنى والواقع»، ضمّن فلسفته في الذهن دراسة تطوّر الحاسوب. وفي حوارٍ مع مجلة «هارفارد» قارب هذا الموضوع، ورأى أن أنماط الحاسوب المستعملة في المعرفة الإدراكية أدت إلى تراجع الحديث عن الإحساسات، في مقابل تزايد الحديث عن التفكير والإحالة في الأدب الفلسفي المكتوب بالإنجليزية، لكن الفلاسفة أصحاب التوجه المادي الناطقين بهذه اللغة لم يتراجع انشغالهم بهوية «الذهن - الجسد» على العكس، لقد أعادوا صياغة السؤال على النحو الآتي: هل يتطابق كلٌّ من التفكير والإحالة مع الحالات الحاسوبية للدماغ؟

يعدّ بوتنام مثل هذه الأسئلة مضللة، لأنها نتيجة قد استغرقت سنوات عدة للتوصل إليها، ودافع هذا البحث عن هوية ضمن خصائص تتعلق بوصف الفكر والإحالة والخصائص الفيزيائية، أو على الأقل الحاسوبية، بالشعور بالخوف من أن البديل الوحيد هو العودة إلى الثنائية؛ صورة شبح في آلة، ولذلك وبسبب نقاشاتٍ في فلسفة الذهن «غير قابلة للاحتواء»، تحوّل المسار إلى الحديث عن الميتافيزيقا والإبستمولوجيا وما بعد الفلسفة.

مردّ اهتمام بوتنام بهذا الموضوع اهتمامه بالعلاقة بين المفاهيم والعالم؛ إذ يعدّ مناقشته لنمط الشك الديكارتي «أدمغة في وعاء»، قُصد منها الاستدلال على أن المفاهيم والعالم يستلزمان بعضهما بعضاً، وأن المفاهيم التي لديك تعتمد على العالم حيث تعيش ونوعية علاقتك به، ففكرة أن لدينا مفاهيم توجد في وسيط «Private»، وأنه من اللازم علينا أن نعاين ما إذا كان أي شيءٍ يتوافق معها، هي فكرة قد أثرت تأثيراً قوياً في تفكيرنا، ولكنها فكرة غير متماسكة تماماً.

برأيي أن هذا النقاش كان ممهّداً لما نعيشه اليوم من تطوّر تكنولوجي غير مسبوق. الأجهزة بما فيها الحواسيب والروبوتات يمكنها أن تفكّر بحدود برمجياتها، لكن هذا التفكير منقوص، بسبب عدم تمتعها بالإدراك، ولعدم وعيها بحدود الأحاسيس، ويمكن للتطوّر المذهل أن يخفف من أعباء الإنسان ويسعفه في بعض المهام، لكن من الصعب الوصول إلى ابتكار تقني يكون بديلاً عن الإنسان في الإدراك والوعي بالعالم. هيدغر تنبأ بأن التقنية ستفلت من الإنسان وسيكون رهينها، لكن حتى الآن يغامر الإنسان بصلاحياته الكونية مع كل ابتكار تقني جديد، ولكنها مغامرة لن تتجاوز حدود ابتكار وسائل منجزة، لا مدركة، حتى وإن كانت تفكّر ضمن برمجياتها. لقد وصلت التقنية إلى ذروتها حين استطاعت أن تفكّر وتجيب وتنخرط في السجال كما أشرتُ في بداية المقال، لكن السؤال هل يمكن للتقنية أن تكون مثل الإنسان «واعيةً» بالوجود؟ إن هذا ما يميّز الإنسان حتى الآن في ظلّ صراعاته مع أمواج التطوّر التقني الجارفة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد