في مقال لمجلة "سايت آند ساوند" أثار نقاشاً واسعاً في الأوساط السينمائية، شنّ المخرج والكاتب الأميركي كوينتن تارنتينو هجوماً لاذعاً على هوليوود المعاصرة، واصفاً إياها بأنها «مصنع سجق بلا نكهة»، ومعبراً عن خيبة أمله من حالة الصناعة السينمائية الحالية. وانتقد هيمنة الامتيازات التجارية والأفلام المتشابهة وضعف الجرأة الإبداعية، مشيراً إلى أنه بات يجد متعة أكبر أحياناً في قراءة كتاب من مشاهدة كثير من الإنتاجات الجديدة. ولم تُقرأ هذه التصريحات بوصفها انفعالاً عابراً أو حكماً متسرعاً على موسم سينمائي بعينه، وإنما باعتبارها موقفاً نقدياً من أحد أكثر صناع السينما تأثيراً خلال العقود الثلاثة الماضية.
وتكتسب هذه الكلمات أهمية خاصة لأنها لا تصدر عن مخرج هامشي أو فنان مستقل يقف خارج أسوار الصناعة، وإنما عن أحد أكثر السينمائيين تأثيراً في الثقافة البصرية الأميركية المعاصرة. فمنذ ظهوره اللافت في مطلع التسعينيات، رسّخ تارنتينو مكانته بوصفه صاحب لغة سينمائية خاصة تجمع بين الجرأة السردية، والحوار المتدفق، والاستعارات البصرية الحادة، والقدرة على إعادة توظيف تاريخ السينما الشعبية داخل أعمال تحمل توقيعه الشخصي الواضح. لقد نجح في تحويل عناصر كانت تُعد هامشية في نظر البعض إلى أدوات فنية، حتى أصبحت أفلامه تُعرَف من إيقاعها ونبرتها وأسلوبها قبل أن تُعرَف من عناوينها.
غير أن المفارقة تبدأ هنا.
فالرجل الذي يهاجم هوليوود اليوم ليس خصماً لها، وإنما أحد أكثر أبنائها نجاحاً. لقد صنعت له الشهرة والثروة والمكانة العالمية، كما صنع لها بعضاً من أكثر أفلامها تأثيراً خلال العقود الأخيرة. وحتى في أحدث مشاريعه، أفادت التقارير أن منصة نتفليكس دفعت له نحو عشرين مليون دولار مقابل سيناريو "مغامرات كليف بوث"، الذي يتولى إخراجه ديفيد فينشر. وهو رقم يكشف حجم المكانة التي لا يزال يتمتع بها داخل المنظومة نفسها التي ينتقدها.
ومن هنا لا يصبح السؤال: لماذا يتقاضى تارنتينو هذا المبلغ؟
فالفن ليس نقيضاً للنجاح التجاري، ولم يكن تارنتينو يوماً زاهداً في السوق أو معادياً للربح. على العكس، فإن جزءاً من فرادته يكمن في قدرته على الجمع بين الاعتراف النقدي الواسع والنجاح الجماهيري الكبير. السؤال الحقيقي هو: ماذا يقصد حين يتحدث عن «النكهة» التي فقدتها هوليوود؟
في الواقع، لا يبدو أن اعتراضه موجّه إلى المال بحد ذاته، وإنما إلى تحوّله إلى المعيار الحاكم لكل شيء. فهوليوود التي أحبها كانت، في نظره، مكاناً يسمح للمخرجين بالمخاطرة، وللكتّاب بالمغامرة، وللأفكار الغريبة بأن تجد طريقها إلى الشاشة. أما اليوم، فإن الصناعة تميل أكثر فأكثر إلى الاعتماد على الوصفات المضمونة: أجزاء جديدة من قصص قديمة، شخصيات مجرّبة، علامات تجارية ناجحة، وعوالم سينمائية قابلة للتوسع إلى ما لا نهاية.
وهنا تصبح استعارة "مصنع السجق" أكثر وضوحاً. فالمشكلة ليست في كثرة الإنتاج، وإنما في تشابهه. تدخل عناصر مختلفة إلى خطوط الإنتاج، لكنها تخرج متقاربة الشكل والطعم والروح. وكلما تضخمت الميزانيات، تضاعف الخوف من الفشل. وكلما تضاعف الخوف من الفشل، تراجعت الجرأة الفنية لصالح الأمان التجاري.
قد يبدو هذا التشخيص مقنعاً للوهلة الأولى، ولا شك في أنه يلامس جانباً من الحقيقة. فمنذ سنوات، تتزايد الشكاوى من هيمنة الامتيازات التجارية والأبطال الخارقين وإعادة إنتاج الأفلام القديمة. وكثير من الاستوديوهات الكبرى باتت تنظر إلى الفيلم بوصفه جزءاً من منظومة استثمارية متكاملة تشمل المنصات والألعاب والمنتجات المرافقة وحملات التسويق العالمية. وفي مثل هذا المناخ، يصبح من الطبيعي أن تتراجع مساحة المغامرة لصالح الحسابات الدقيقة.
ومع ذلك، لا يمكن قبول تشخيص تارنتينو دون تحفظ.
فالسينما لم تتحول كلها إلى منتجات متشابهة، وما زالت أفلام جريئة ومبتكرة تظهر كل عام. كما أن كثيراً من الأعمال المهمة خلال العقد الأخير جاءت من مخرجين استطاعوا أن يقدموا رؤى شخصية مميزة داخل الصناعة وخارجها. وربما تكمن المشكلة الحقيقية في أن مركز الثقل الإبداعي لم يعد متركزاً في المكان نفسه الذي كان عليه قبل ثلاثين أو أربعين عاماً. فالتجديد لم يختفِ، وإنما توزع على جغرافيات وأساليب إنتاج جديدة.
هناك أيضاً جانب آخر في تصريحات تارنتينو يستحق التأمل. فالفنان لا ينظر إلى الماضي بالطريقة نفسها التي ينظر بها إلى الحاضر. الذاكرة البشرية تحتفظ عادة بالاستثناءات الجميلة أكثر مما تحتفظ بالمتوسط العادي. وعندما يتذكر تارنتينو سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، فإنه يستحضر أفلامها الكبرى وأسماءها اللامعة، لا عشرات الأعمال التجارية الرديئة التي كانت تُنتج في الوقت نفسه. ولهذا قد تبدو المقارنة أحياناً غير عادلة بين أفضل ما في الماضي ومتوسط ما في الحاضر.
وربما هنا تكمن المسألة الأعمق.
فتصريحات تارنتينو لا تعبر فقط عن نقد لصناعة السينما، وإنما عن علاقة شخصية مع زمن سينمائي مضى. فهو ينتمي إلى جيل تربى على فكرة أن المخرج يمكن أن يغير قواعد اللعبة بفيلم واحد مختلف، وأن السينما لا تزال أرضاً مفتوحة للمفاجآت والاكتشافات. أما اليوم، فيشعر أن المؤسسات الكبرى أصبحت أقوى من الأفراد، وأكثر قدرة على استيعاب التمرد وإعادة تسويقه بوصفه منتجاً جديداً.
ومن المفارقات اللافتة أن تارنتينو نفسه كان في التسعينيات يمثل ذلك التمرد. لقد جاء من خارج المؤسسة تقريباً، حاملاً ثقافة سينمائية مختلفة، ولغة سردية غير مألوفة، ونظرة متمردة إلى القواعد التقليدية. يومها نظر إليه بعض المحافظين باعتباره جزءاً من المشكلة، بينما ينظر إليه كثيرون اليوم باعتباره جزءاً من العصر الذهبي الذي يحنّ إليه.
وهكذا تدور عجلة الزمن.
فالمتمرد القديم يتحول مع مرور السنوات إلى حارس لذاكرة فنية يخشى عليها من التبدد. والجيل الذي أحدث الصدمة يصبح هو نفسه الجيل الذي يشعر بالصدمة أمام تحولات جديدة لا يفهمها بالكامل أو لا يحبها بالقدر نفسه.
لذلك فإن عبارة تارنتينو ليست إعلاناً عن موت السينما، بقدر ما هي رثاء لعصر معين منها. إنها صرخة عاشق قديم يرى المدينة التي أحبها تتغير أمام عينيه. غير أن هذه الصرخة تكشف في الوقت نفسه مفارقة لا يمكن تجاهلها: فكلما ارتفع صوته في نقد هوليوود، تذكرنا أنه ما يزال أحد أكثر المستفيدين من نجاحها.
وهنا تكتسب كلماته معناها الأكثر إثارة. فهو لا يتحدث من خارج المصنع، وإنما من داخله. لا يتحدث كعدو لهوليوود، وإنما كأحد أبرز أبنائها. ولذلك فإن نقده يكتسب قيمة أكبر، لأنه صادر عن شخص يعرف آليات الصناعة من الداخل، ويعرف كيف تُصنع القرارات والأفلام والنجوم. لكنه يصبح أيضاً أقل براءة، لأن صاحبه لم يكن يوماً بعيداً عن الامتيازات التي وفرتها له المنظومة نفسها.
فربما لم يكن تارنتينو يصف هوليوود وحدها حين تحدث عن «مصنع السجق بلا نكهة»، وإنما كان يصف أيضاً شعور جيل كامل من السينمائيين الذين اكتشفوا أن الصناعة التي صنعت أحلامهم لم تعد تشبه الصورة التي احتفظوا بها عنها في ذاكرتهم. وبين نقده الصادق وحنينه الشخصي، تظل عبارته واحدة من أكثر العبارات قدرة على تلخيص الجدل الدائر اليوم حول السينما: هل تغيرت هوليوود فعلاً إلى هذا الحد، أم أن الذين أحبوها أولاً هم الذين تغيروا؟


