ليست قراءة التراث في الفكر العربي المعاصر مجرد فعل معرفي يُراد به استعادة نصوصٍ قديمة أو ترتيب موادٍ تاريخية، بل هي في جوهرها اختبار عميق لقدرة العقل العربي على أن يحدد موقعه بين زمنين: زمنٍ يسكنه ولا يستطيع الانفكاك عنه، وزمنٍ يطمح إليه ولا يملك مفاتيحه كاملة، ولذلك جاءت محاولات قراءة التراث عند المفكرين الكبار محمّلة بهذا القلق الوجودي الذي يتجاوز حدود البحث العلمي إلى مساءلة الهوية نفسها، ومن بين هذه المحاولات تبرز قراءة محمد عابد الجابري وقراءة طه عبد الرحمن بوصفهما نموذجين متقابلين في المنهج، ومتكاملين في الإشكال، إذ لا يكشف اختلافهما عن تناقض سطحي في الرأي، بقدر ما يكشف عن اختلاف في طبيعة النظر إلى التراث: هل هو موضوع للفحص والنقد، أم مجال للانتماء والاستئناف؟
حين نقف عند الجابري، نجد أن التراث عنده ليس كتلةً جامدة من النصوص، ولا ميراثًا ثقافيًا يُستعاد للاعتزاز به، بل هو بنية معرفية متغلغلة في الوعي، تشكّل طريقة التفكير قبل أن تشكّل موضوع التفكير، ولهذا لم يكن همه أن يقرأ التراث كما قرأه السابقون، بل أن يعيد مساءلة العقل الذي أنتجه، لأن الأزمة في نظره ليست في النصوص، بل في الآليات التي جعلت هذه النصوص تتحول إلى سلطةٍ غير مرئية تتحكم في الحاضر، حتى غدا التفكير العربي، كما يلمّح، أقرب إلى استحضار ما قيل، لا إلى إنتاج ما ينبغي أن يُقال، وفي هذا، كان مشروعه في نقد العقل العربي محاولة لإحداث مسافة بين الذات والتراث، لا مسافة إنكار، بل مسافة وعي، بحيث يصبح التراث موضوعًا للنظر، لا أفقًا مغلقًا يفرض منطقه على كل محاولة للتجديد.
ولذلك فإن الجابري لا يكتفي بالدعوة إلى قراءة جديدة، بل يسعى إلى تأسيس هذه القراءة على أدوات مستمدة من حقول معرفية حديثة، كالإبستمولوجيا والتحليل البنيوي والتاريخي، لأنه يرى أن التراث لا يمكن أن يُفهم بآلياته الداخلية وحدها، بل يحتاج إلى جهاز نقدي قادر على تفكيك بنيته وإعادة تركيبها، وهنا تظهر فكرة القطيعة التي أسيء فهمها كثيرًا، إذ ليست دعوة إلى هجر التراث أو التنكر له، بل هي دعوة إلى القطع مع الطريقة التقليدية في فهمه، أي مع القراءة التي تعيد إنتاجه بوصفه يقينًا، لا بوصفه تجربة تاريخية قابلة للفحص، ولذلك كان الجابري حريصًا على أن يجعل التراث معاصرًا لنفسه أولًا، أي أن يُفهم في سياقه الخاص، ثم معاصرًا لنا ثانيًا، أي أن يُعاد توظيفه في ضوء حاجات الحاضر، لا أن يُستدعى كما هو ليحل محل الواقع.
ومن هذا المنطلق، لم يكن اختيار الجابري للفكر الرشدي اعتباطيًا، بل كان تعبيرًا عن بحثه داخل التراث عن لحظة عقلانية يمكن أن تُستأنف، لحظةٍ استطاعت أن تفصل بين البرهان والقياس، وبين الفلسفة والجدل، بحيث تصبح المعرفة قائمة على النقد لا على التسليم، وكأن الجابري لا يريد أن يقطع مع التراث، بل يريد أن يعيد ترتيب طبقاته ليجعل ما فيه من عقلانية في الواجهة، وما فيه من تقليد في موقع المراجعة، وبذلك يصبح التراث موردًا لبناء الحداثة، لا عائقًا أمامها.
غير أن طه عبد الرحمن يقف في الجهة الأخرى من هذا السؤال، لا ليهدم مشروع الجابري، بل ليعيد صياغة منطلقاته من أساسها، فهو لا ينكر الحاجة إلى تجديد النظر في التراث، لكنه يرفض أن يتم ذلك من موقع خارجي، لأن التراث، في نظره، ليس موضوعًا منفصلًا عن الذات، بل هو جزء من تكوينها الوجداني والمعرفي، ومن ثم فإن أي قراءة لا تنطلق من هذا الانتماء العميق تظل قراءة ناقصة، مهما بلغت دقتها المنهجية، ولهذا فإن طه لا يطمئن إلى فكرة القطيعة، لأنها توحي، في نظره، بإمكانية الفصل بين الإنسان وتراثه، وهي إمكانية لا يقرّها الواقع ولا يسندها الوعي.
ومن هنا تتأسس قراءته على فكرة التواصل لا الانفصال، وعلى التكامل لا الإقصاء، فهو يرى أن التراث ليس مجرد مضامين فكرية، بل هو أيضًا آليات إنتاج للمعنى، وأن هذه الآليات هي التي ينبغي أن تكون محور القراءة، لأن فهم النص التراثي لا يتحقق عبر نتائجه فقط، بل عبر الطريقة التي تشكّل بها، وهذا ما يجعله يدعو إلى العناية بالبنية الداخلية للنص، لا الاكتفاء بإسقاط مفاهيم جاهزة عليه، ولذلك كان نقده موجّهًا إلى كثير من القراءات المعاصرة التي تعاملت مع التراث بأدوات مستعارة لم تُمحَّص، فحوّلت النص إلى مجال لتجريب المناهج، بدل أن يكون المنهج تابعًا لطبيعة النص.
وإذا كان الجابري قد استند إلى الإبستمولوجيا ليبني مشروعه النقدي، فإن طه عبد الرحمن لا يرفض الاستفادة من المناهج الحديثة، لكنه يشترط أن تمر عبر عملية تنقيح وتلقيح، أي أن تُختبر داخل المجال التداولي العربي الإسلامي، وأن تُعاد صياغتها بما ينسجم مع خصوصيته، فلا تكون هي الحاكمة على التراث، بل تكون خادمة له، وفي هذا الإطار يطرح مفهوم المقاربة التكاملية التي ترى أن التراث ليس مجالًا لتفاضل بين عناصره، بل مجالًا لتفاعلها، حيث تتداخل المعارف وتتساند، فيصبح التجديد فعلًا ينبع من الداخل، لا نتيجة إسقاط خارجي.
ومن خلال هذا التباين، يمكن أن ندرك أن الخلاف بين الجابري وطه عبد الرحمن ليس خلافًا حول قيمة التراث، فكلاهما يقرّ بأهميته، وإنما هو خلاف حول كيفية التعامل معه: هل نحرّر أنفسنا منه لنفهمه، أم ننخرط فيه لنجدّد فهمه؟ هل نبدأ من العقل لنحاكم التراث، أم نبدأ من التراث لنؤسس العقل؟ وفي هذا السؤال يتكثف جوهر الإشكال، لأنه يعكس توترًا عميقًا في الوعي العربي بين الرغبة في التحديث، والحاجة إلى الحفاظ على الجذور.
غير أن التأمل الهادئ في المشروعين يكشف أن هذا التوتر ليس عيبًا، بل هو شرط من شروط الحيوية الفكرية، لأن التراث الذي لا يُنقد يتحول إلى عبء، والحداثة التي لا تستند إلى ذاكرة تتحول إلى فراغ، ولذلك فإن القيمة الحقيقية لهذين المسارين لا تكمن في ترجيح أحدهما على الآخر، بل في إبقاء الحوار بينهما مفتوحًا، لأن هذا الحوار هو الذي يمنح الفكر العربي قدرته على أن يتحرك، لا بين ماضٍ يُستعاد، ولا حاضرٍ يُستورد، بل بينهما معًا، في محاولة دائمة لبناء معنى جديد للذات، معنى لا يكتفي بأن يكون امتدادًا لما كان، ولا قطيعةً معه، بل تركيبًا واعيًا بينهما، حيث يصبح التراث مادة للفهم، لا سلطةً على الفهم، وتصبح الحداثة أفقًا للإبداع، لا نموذجًا يُستنسخ.


