تُشكّل الثورة الرقمية عالمًا يزداد تجريدًا يومًا بعد يوم. وفي روايتها "شرطة الذاكرة"، تتحدث الكاتبة اليابانية يوكو أوغاوا عن جزيرة بلا اسم. أحداث غريبة تثير قلق سكانها، إذ تختفي الأشياء بشكل غامض. أشياء عطرة، براقة، متلألئة، رائعة: أربطة الشعر، والقبعات، والعطور، والأجراس الصغيرة، والزمرد، والخواتم، وحتى الورود والطيور. ولم يعد السكان يعرفون الغاية من هذه الأشياء.
تصوّر أوغاوا في روايتها نظامًا شموليًا ينفي الأشياء والذكريات من المجتمع بمساعدة "شرطة الذاكرة"، على غرار شرطة الفكر في أعمال جورج أورويل. يعيش سكان الجزيرة في شتاء دائم من النسيان والخسارة. وكل من يحتفظ بذكريات سرًا يتعرض للاعتقال. حتى والدة البطلة، التي كانت تخفي الأشياء المهددة بالاختفاء في خزانة سرية، تُلاحق وتُقتل على يد شرطة الذاكرة.
يمكن قراءة "شرطة الذاكرة" بوصفها استعارة لواقعنا المعاصر. فالأشياء تختفي اليوم أيضًا باستمرار دون أن ننتبه. إن وفرة الأشياء توهمنا بعكس ذلك. وعلى خلاف ديستوبيا أوغاوا، لا نعيش في نظام شمولي يسلب الناس ممتلكاتهم وذكرياتهم بعنف، بل إن هوسنا بالتواصل وتدفق المعلومات هو ما يجعل الأشياء تتلاشى. فالمعلومة، أي "اللاشيء"، تتقدّم على الشيء وتجعله باهتًا. نحن لا نعيش في مملكة العنف، بل في مملكة المعلومات التي تتنكر في هيئة الحرية.
في عالم أوغاوا الديستوبي، يفرغ العالم تدريجيًا حتى يختفي في النهاية. كل شيء يتلاشى شيئًا فشيئًا، حتى أجزاء من الجسد تختفي. وفي النهاية، لا تبقى سوى أصوات بلا أجساد، تائهة في الهواء. وتشبه هذه الجزيرة الخالية من الأشياء والذكريات، في بعض جوانبها، عالمنا اليوم. فالعالم يفرغ من الأشياء ويمتلئ بمعلومات مقلقة تشبه تلك الأصوات بلا جسد. الرقمنة تُجرّد العالم من ماديته، بل ومن جسديته أيضًا، وتطمس الذكريات. فبدل أن نحفظ الذكريات، نخزن كميات هائلة من البيانات. وهكذا تحل الوسائط الرقمية محل "شرطة الذاكرة"، مؤدية وظيفتها دون عنف وبجهد ضئيل.
وعلى خلاف عالم أوغاوا الكئيب، فإنَّ مجتمع المعلومات الذي نعيش فيه ليس رتيبًا إلى هذا الحد. فالمعلومات تُشوّه الأحداث وتغتذي على عنصر المفاجأة. لكن هذا التحفيز لا يدوم طويلًا، إذ سرعان ما نبحث عن محفزات جديدة. لقد اعتدنا أن نرى الواقع كمصدر دائم للإثارة والمفاجآت. وبصفتنا "صيادي معلومات"، أصبحنا عاجزين عن إدراك الأشياء الصامتة والبسيطة واليومية، تلك التي لا تثيرنا، لكنها تُرسّخ وجودنا وتربطنا بالعالم.
نحن اليوم في مرحلة انتقالية من عصر الأشياء إلى عصر "اللاأشياء". فالمعلومات، لا الأشياء، هي التي تحدد العالم الذي نعيش فيه. لم نعد نسكن الأرض والسماء، بل "غوغل إيرث" والسحابة الرقمية. لقد أصبح العالم أكثر تجريدًا وضبابية وطيفية، ولم يعد فيه شيء صلب أو ملموس.


