في خضم البحث عن إجابات للتحديات الجوهرية التي تكتنف منظومة التعليم العالي، يبرز كتاب Major Challenges Facing Higher Education in the Arab World (التحديات الكبرى التي تواجه التعليم العالي في العالم العربي: ضمان الجودة والملاءمة) كمرجع تحليلي كاشف، يزيح الستار عن مكامن الخلل في أزماتنا الجامعية. لم نلتفت لهذا العمل بحثًا عما يمكن أن يضاف إلى رفوف المكتبات فحسب، بل سعيًا لتوثيق أفكار تبنيناها وانشغلنا بها طويلًا عبر دراساتنا المتتالية، لنجد في هذا المجلد صدى أمينًا لتشريحنا لمواطن الخلل، وإطارًا علميًا يمنح رؤيتنا صبغة مؤسسية رصينة. إن هذا الكتاب لا يقدم مجرد نقد عابر، بل يسحب قضية التعليم العالي من حيز الرؤى الفردية إلى صدارة المشهد المؤسسي العالمي، معلنًا أن كل مقالة كتبناها وكل دراسة أعددناها كانت لبنة في صرح علمي يبحث عن إصلاح لا يرجو تسويفًا، وإنما يستشرف مستقبلًا يتجاوز وهج المظاهر إلى جوهر التنوير. فهذا الكتاب لا يقف عند حدود التوصيف السطحي أو رصد الظواهر العابرة التي تطفو على وجه الأحداث، بل يبرز كوثيقة أكاديمية بالغة الأهمية، تضعنا أمام مرآة كاشفة ومواجهة صريحة مع واقعنا الجامعي بكل تجلياته، إخفاقاته، ومآزقه البنيوية التي تراكمت عبر العقود. ولعل القيمة الحقيقية لهذا العمل الفذ تكمن في قدرته الفائقة على صياغة "الوجع الأكاديمي" الذي طالما كان محورًا لمساهماتنا الفكرية، وتحويله من مجرد هواجس نقدية أو انطباعات وخبرات شخصية إلى إطار بحثي موثق ومنهجي يمتلك أدوات القياس والمقارنة، ويخضع لمعايير النقد العلمي الرصين.
إنه إطار يتسق في جوهره وأهدافه تمامًا مع ما دأبنا على طرحه طوال عقود بضرورة التحرر من أغلال "فخ الاستعراض" والمظاهر الزائفة التي استنزفت مواردنا في تزيين الواجهات وتلميع المؤشرات الخارجية على حساب العمق المعرفي، والانتقال بشجاعة وثبات نحو "الإصلاح الجذري" الذي يمس العصب الحي للمؤسسة الأكاديمية. إننا لا نبحث عن ترميم المناهج فحسب، بل عن استعادة "هيبة الجامعة" ودورها الريادي كقاطرة للتنوير وصناعة المستقبل، وهذا الكتاب هو خير رفيق في رحلة البحث عن تلك الذات الأكاديمية الضائعة في زحام التباهي الشكلي واللهاث خلف اعتمادات ورقية لا تمنح علمًا ولا تغني من جوع الإبداع.
آفاق التشخيص وتفكيك بنية الأزمة
إنَّ المتأمل في الفصول المتداخلة لهذا الكتاب يجد في طياتها ملامح تشريحية دقيقة لتلك القضايا الجوهرية التي باتت تؤرق كل مهتم بمستقبل التعليم في وطننا العربي، فالمحررون والباحثون هنا لم يقفوا عند السطح الظاهر للمشكلات، بل غاصوا في تحليلها بعمق منهجي يفكك "عثرات المسيرة الأكاديمية" بجرأة قل نظيرها. إن ما يميز هذا العمل هو قدرته الفذة على تحويل الملاحظات العامة إلى قضايا بنيوية متسلسلة تضع اليد على مكامن الخلل في المنظومة التعليمية بأسلوب يجمع بين الرصد التاريخي الدقيق والاستشراف المستقبلي الذي يقرأ مآلات السكون ومخاطر الجمود.
أولًا: الخروج من "فخ الاستعراض" واستعادة الجوهر التعليمي
يضعنا الكتاب بمكاشفة حادة أمام معضلة "الاستعراض المؤسسي" التي باتت ترهق كاهل الجامعات العربية وتصرفها عن رسالتها السامية، حيث يؤكد وبقوة أن بريق الأرقام، وتعاظم المساحات العمرانية، وفخامة المباني الفارهة، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تعوض غياب الجوهر التعليمي الأصيل أو تستر عورات التراجع المعرفي في قاعات الدرس. إن هذا الطرح يلمس وترًا حساسًا في بنية التعليم العالي، إذ يحلل بعمق كيف تحولت "المظاهر" إلى غاية في حد ذاتها، مما خلق نوعًا من الاغتراب المشوه بين الشكل الخارجي للمؤسسة ومضمونها العلمي والتربوي.
لقد استنزفت هذه النزعة الاستعراضية طاقات بشرية ومادية هائلة، ووجهتها نحو تزيين الواجهات، والمبالغة في الاحتفاليات، والمنافسة المحمومة على تصنيفات شكلية أحيانًا، بدلاً من استثمار تلك الجهود الجبارة في العمل المضني على تجويد المناهج، وتحديث إستراتيجيات التدريس، وغرس قيم التفكير النقدي في عقول الطلبة. إن الكتاب هنا لا ينتقد التطور المادي بحد ذاته، بل يحذر من أن يصبح هذا التطور "قناعًا" يغطي هشاشة التكوين العلمي، مشددًا على أن المهمة الأسمى للجامعة تظل دومًا هي "بناء الإنسان" وتسليحه بالوعي والمسؤولية، وهي مهمة لا تتحقق بمجرد امتلاك أحدث التقنيات، بل بخلق بيئة أكاديمية حرة ومبدعة تعيد للاستثمار في العقل البشري قيمته ومكانته العليا كأولوية تسبق كل بهرجة زائلة وزينة عابرة.
ثانيًا: أزمة الثقة بالخريج وإشكالية "الجزر المعزولة"
ينتقل بنا الكتاب بذكاء تحليلي ليرصد ملامح "أزمة الثقة" المتنامية في مخرجات التعليم العالي، مسلطًا الضوء على تلك الهوة السحيقة التي باتت تفصل بين ما يدور في أروقة قاعات الدرس وبين مقتضيات الحياة وتحدياتها المتسارعة في الخارج. إن هذا الرصد لا يتوقف عند حدود الإحصائيات الجافة، بل ينفذ إلى جوهر المشكلة، محذرًا من تحول الجامعات إلى "جزر معزولة" ومنغلقة على ذواتها، تعيش في قطيعة معرفية وزمنية مع الواقع المحيط بها، وكأنها تدرس لزمن ولى ومضى.
إن خطورة هذا الانفصال تكمن في كونه لا يمس المهارات التقنية والعملية فحسب، بل يمتد ليصيب الفلسفة التعليمية في مقتل، حيث يستمر إنتاج المعرفة وفق قوالب تقليدية جامدة لم تعد تستجيب لمتطلبات العصر أو حاجات السوق الوظيفي المتغير باستمرار. ويؤكد الكتاب أن استمرار هذا النهج سيؤدي حتمًا إلى تآكل "العقد الاجتماعي" بين الجامعة والمجتمع، ما لم تشرع المؤسسات الأكاديمية في إعادة نظر جذرية وشاملة في هويتها المعرفية. فالمطلوب اليوم ليس مجرد "تحديث" عابر للمناهج أو تغيير طفيف في المسميات، بل صياغة فلسفة تربوية تجعل من الجامعة جسرًا حيًا يربط الطالب بالواقع المعقد، وتمنح الخريج الأدوات الذهنية والعملية التي تمكنه من الانخراط الفاعل في بناء وطنه، بدلاً من تركه تائهًا في فجوة لا تردمها إلا المراجعة الصادقة والارتباط الوثيق بنبض الحياة المتجدد وتحديات العصر الرقمي.
ثالثًا: معضلة الحوكمة والاستقلال.. من الدائرة الإدارية إلى المنارة العلمية
ينفذ الكتاب بجرأة وموضوعية إلى عمق الأزمة الهيكلية التي تعاني منها مؤسساتنا، واضعًا إيانا أمام تشخيص دقيق لتبعية الجامعات التي باتت تئن تحت وطأة المركزية المقيدة والبيروقراطية القاتلة. ويرى المؤلفون أن هذه التبعية ليست مجرد شأن تنظيمي أو إجرائي، بل هي في جوهرها إحدى "الكوابح الأساسية للإبداع"، فالعقل الأكاديمي لا يمكن أن يزدهر أو ينتج في بيئة محكومة بآليات "الضبط والربط" الإداري الجامد، التي تعامل الجامعة كأنها مرفق بيروقراطي لا يختلف في جوهره عن أي دائرة خدمية أخرى تخضع للروتين الممل.
إن هذا الطرح يمنح دعواتنا المتكررة لضرورة استقلال الجامعات بعدًا إستراتيجيًا ومنطقًا علميًا لا يمكن التغافل عنه في أي مشروع إصلاحي حقيقي. فالمطلوب، كما يشير الكتاب بوضوح، هو تحول جذري في الهوية الوظيفية للمؤسسة الأكاديمية لتتحرر من توصيفها كـ "دوائر إدارية" تكتفي بتنفيذ التعليمات وتسيير الأعمال اليومية، وتستعيد مكانتها الطبيعية كـ "منارات علمية" سيادية. إن الاستقلالية هنا لا تعني الانفصال عن قضايا الدولة أو المجتمع، بل تعني امتلاك الجامعة لقرارها الأكاديمي وقدرتها على تطوير ذاتها بذاتها، ورسم مسارات بحثية تتجاوز الروتين اليومي. فبدون حوكمة مرنة تمنح الجامعات "حق الخطأ والتجربة" وتؤمن بالحرية الأكاديمية كقيمة عليا ومقدسة، سيظل الإبداع رهين المراسلات الرسمية والقيود الإدارية، وستظل الجامعات عاجزة عن قيادة التغيير المجتمعي والنهوض بالأمة نحو آفاق أرحب.
رابعًا: الرقمنة بين بريق الأداة وعمق المنهج
ينتقل بنا الكتاب في فصوله الأخيرة إلى منطقة شائكة ومعاصرة بامتياز، ليضع النقاط على الحروف في قضية "الرقمنة" التي اجتاحت أروقة الجامعات مؤخرًا، حيث يؤصل لرؤية مفادها أن التكنولوجيا، مهما بلغت درجة تطورها أو تعقيدها، لا يمكن أن تكون غاية في حد ذاتها، بل هي مجرد وسيلة وأداة لخدمة أهداف تربوية ومعرفية أسمى. ويحذر المؤلفون ببراعة من "وهم التحديث" الذي يكتفي باستيراد الأدوات المادية والتقنيات الحديثة دون المساس بجوهر الفلسفة التعليمية أو طرائق التدريس، معتبرين أن إغراق المدرجات بالأجهزة والبرمجيات دون تغيير حقيقي في "العقلية الأكاديمية" لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج القديم والمتهالك بقوالب تقنية لامعة تخدع البصر ولا تنير البصيرة.
إن هذا الطرح يلامس جوهر ما كنا نؤكد عليه دائمًا في كتاباتنا، فبدون ثورة حقيقية في المنهج وأسلوب التفكير ستظل الأدوات الرقمية مجرد "زينة تقنية" أو ديكور عصري لا يمس جوهر العملية التعليمية، ولا يساهم في شحذ مهارات التفكير الناقد أو ملكة التحليل لدى الطالب. إن الكتاب يدعو إلى تحول جوهري يتجاوز "الاستهلاك التقني" السطحي إلى "التمكين المعرفي" الحقيقي، حيث تصبح التكنولوجيا جسرًا لتعزيز ملكة البحث والاستقصاء، لا وسيلة جديدة لتكريس التلقين بأسلوب رقمي ممل. فالتحدي الحقيقي الذي يبرزه الكتاب ليس في امتلاك التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في القدرة على تطويعها لخلق بيئة تفاعلية تحرر عقل الطالب، وتنتقل به من خانة المتلقي السلبي للمعلومة إلى خانة المنتج للمعرفة والمشارك بفاعلية في صياغتها ونقدها.
من ضيق التشخيص إلى سعة الأمل
إن القيمة الجوهرية التي يمنحنا إياها كتاب Major Challenges Facing Higher Education in the Arab World تتجاوز كونه مجرد مرجع أكاديمي رصين يضاف إلى قائمة المراجع، إنه يمثل في حقيقته "سندًا علميًا" وتوثيقيًا لكل غيور يحمل هم النهوض بالتعليم العالي في وطننا. فهذا العمل لا يكتفي بمنحنا نحن الأكاديميين والباحثين لغة مشتركة للتفاهم والحوار فحسب، بل يمدنا بأدلة رقمية وحقائق موضوعية تشد من أزر مطالباتنا المستمرة بالإصلاح، وتخرج بها من حيز النداءات الفردية أو المقالات الصحفية إلى فضاء الطروحات المنهجية العالمية المدعومة بالبرهان والمنطق الأكاديمي.
لقد أثبت هذا الكتاب عبر فصوله العميقة أنه عمل يتجاوز في دلالاته حدود التوصيف المحلي، إذ لم يكتف بإعطاء القضايا الأكاديمية المطروحة عمقها الواقعي، بل منحها أبعادًا دولية وإطارًا بحثيًا عالميًا يضعها في سياقها الصحيح. إن هذا التناول يؤكد بوضوح أن الإشكاليات التي تعاني منها الجامعات في منطقتنا ليست مجرد عثرات عابرة أو ملاحظات ظرفية، بل هي تجسيد لـ "أزمة بنيوية كبرى" تتجاوز الحدود القطرية. وهي أزمة تستوجب تكاتف الجهود الأكاديمية، وتوحيد الرؤى النقدية، وتجاوز الأطر التقليدية للعمل المؤسسي، ليس فقط لتشخيص مواطن الخلل، بل لضمان عبور المنظومة التعليمية نحو بر الأمان واستعادة دورها الريادي في حركة التنوير الإنساني.
إنَّ هذا الكتاب يقرأ بتمعن وتدبر، ليس فقط لأنه يمتلك الشجاعة الكافية لتشخيص الداء وتسمية الأشياء بمسمياتها دون مواربة، بل لأنه في جوهره يفتح "نافذة من الأمل" كنا ننتظرها طويلًا خلف جدران اليأس البيروقراطي. فهو يوحد الرؤى نحو مستقبل أكاديمي عربي واعد ومشرق، مستقبل يمتلك الجرأة الكافية ليتخلى عن "فخ الاستعراض" وزخرف المظاهر الخادعة، ليتبنى بدلاً منها "ضرورة الإصلاح الجذري"، لا كخيار مؤقت أو شعار مرحلي للاستهلاك الإعلامي، بل كمنهج تفكير وأسلوب حياة عملي يعيد للجامعة العربية دورها المركزي كقلب نابض بالعلم، وعقل مفكر مستنير يقود الأمة بجدارة نحو غد أسمى وأجمل.


