انتقلنا إلى المنزل الزوجي عام 1969 وكان شقة جديدة ليس فيها هاتف. والهاتف كان يومها شركة حكومية. ومن أجل الحصول على رقم كان يجب أن تكون ابن كبير أو وزير أو خطير، ولم أكن. وبدل تقبيل الأيادي وسائر الأطراف قررنا البقاء بلا هاتف. أمضينا أربع سنوات على تلك الحال إلى أن جاء الراحل رنيه معوض وزيراً للبريد، فذهبت أشكو الأمر إليه. ظل واقفاً ولم يدعُني إلى الجلوس. ثم نادى على سكرتيره وقال له في هدف: «خلّي يكون تلفون عند الأستاذ بكرة الصبح».
ومن غده كان للأستاذ هاتف أسود. فهل يمكن لإنسان أن يُمضي أربع سنوات من دون هاتف؟ يبدو أنه كان ممكناً. فمعظم الوقت كنت في الجريدة ولنا هواتفها.
لم يكن الهاتف مَرضٌ ملحٌّ. عندما دخلنا عصر الموبايل بقيتُ فترة خارجه. لا تحلية في الأمر. وهاتف المنزل يكفي. قبل أيام، أضعت الموبايل الذي كنت أقتنيه منذ عام أو يزيد. أمضيت ساعة كاملة أبحث عنه. طرحت الصوت وناديت على من يساعدني. وجاء المتطوعون يستجوبونني كأنني أنا من سرق الموبايل وليس من أضاعه. ويبدو أن الهاتف المفقود قد انتهت بطاريته فلم يعد يرن ولا يجيب ولا يستجيب.
أدمن الناس الموبايل بعدما أمضوا مئات السنين من دونه. وكان الاستخدام الوحيد للهاتف هو المحادثة، أما اليوم فهو مؤسسة تؤدي سيلاً من الخدمات، ومنها تزويدات الصباح وقياس الضغط والسكري وأسعار الذهب. ويلتقط الصور التذكارية. وينقل المسرحيات والأغاني ويترجم، ويدلّك على الطرقات التي لا تعرفها، ويعطيك المسافات ونقاط الازدحام، ويقدم لك الموسيقى الهندية وحرارة الطقس في جزيرة غرينلاند... كل هذه نماذج. ساعة من القلق علَّمتني في أي عالم كنت وأين أصبحت. ومن دون أن أدرى.

