منذ بدايات القرن الحالي، ونبوءة نهاية عصر الورق تتكرر دوماً، ومع كل انخفاض توزيع صحيفة ورقية، أو توقف صدور صحيفة عريقة، يتجدد الحديث عن وفاة الورق، وضرورة الانتقال إلى النشر الرقمي فقط، بينما حقيقة الأمر أن التحدي ليس أزمة ورق؛ بل أزمة نموذج عمل، لم يتواكب مع تغيرات ومتطلبات الجماهير الجديدة.
الحقيقة أننا لم نتوقف عن القراءة والبحث عن المعرفة، بل إننا -حسب الإحصاءات- نقرأ اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى! غير أن ما تغيّر هو أسلوب البحث عن المعلومة، ومدى تقبلنا لدفع مقابل مادي في ظل وجود منصات التواصل الاجتماعي المختلفة، لذلك لم تَعد الصحيفة اليومية الشاملة قادرة على منافسة التطبيقات الإخبارية ومنصات التواصل الاجتماعي، في سرعة نقل الخبر، أو تنوع مصادره.
أعتقد أن الفوز بالمستقبل يكمن في مجالٍ آخر، وهو الصحافة المتخصصة! فبينما تحاول الصحافة العامة مخاطبة الجميع، نجد الصحافة المتخصصة تعرف تمامًا من تخاطب؟ وماذا يريد؟ ولماذا سيعود إليها مرة أخرى؟ ولذلك لا تزال المجلات المتخصصة تحقق نجاحات لافتة في مختلف أنحاء العالم، رغم كل التحولات الرقمية.
فمثلاً مجلة The Economist، ليست مجرد مجلة إخبارية، بل مرجع الاقتصاد والعلاقات الدولية، قد لا تفوز في سباق سرعة الخبر، لكنها تتقدم الجميع في تفسيره وتحليله وربط أحداثه، إلى مجلة Harvard Business Review التي لم تُرسخ نجاحها على متابعة الأخبار الاقتصادية، وإنما على إنتاج معرفة إدارية متخصصة يعتمد عليها القياديون والتنفيذيون، أما مجلة National Geographic، فقد حوّلت المعرفة الجغرافية والعلمية إلى تجربة بصرية وثقافية، جعلتها علامة عالمية تتجاوز حدود المجلة الورقية نفسها، وكذلك في عالم التقنية، أمست مجلة Wired نموذج تقديم التحليل المستشرف للتقنيات المستقبلية، وليس مجرد ملاحقة أخبار المنتجات.
الميزة التنافسية هنا واضحة: محتوى متخصص لجمهور محدد يبحث عنه، فالمجلة التي تستهدف من تعرف؛ تستطيع بناء علاقة طويلة مع قارئها؛ لأنها تقدم له معرفة يحتاجها، وليس مجرد مادة تستهلك وتنسى بعد لحظات! وهو ما لمسته شخصياً من خلال رئاستي لتحرير مجلة متخصصة خلال السنوات الماضية، تضاعفت فيها النسخ المطبوعة!
غير أن النجاح لا يمكن أن يعتمد على منتج المجلة نفسها فقط، بل تحوّلها إلى منصة معرفية متكاملة، عبر بناء منظومة رقمية تضيف قيمة للقارئ، مثل: قواعد البيانات المتخصصة، النسخ الإرشفية، النشرات البريدية، البرامج الإذاعية والتلفزيونية، الندوات، المنتجات، التذكارات، وغيرها، كما أن الذكاء الاصطناعي يفتح أمام المجلات المتخصصة أبوابًا غير مسبوقة، من خلال تخصيص المحتوى لكل قارئ، وتقديم ملخصات ذكية، والبحث الدلالي داخل الأرشيف، وربط المقالات ذات العلاقة.
هذا يقود إلى تغيّر نموذج الإيرادات، وتجاوز مصدر الإعلانات المباشرة، إلى الاشتراك المدفوع، والعضويات، والتقارير الخاصة، والدورات التدريبية، والفعاليات، والخدمات الاستشارية.
أزمة الصحافة الورقية ليست نهاية الصحافة، بل نهاية مرحلة تاريخية اعتمدت على العمومية، وعلى السباق نحو الخبر، وعلى نموذج اقتصادي تجاوزه الزمن، أما المستقبل، فهو لمن يمتلك المعرفة الأعمق، والجمهور الأكثر تحديدًا.

