ليلى أمين السيف
يقول هنري ميلر: «بإمكان المرء أن يقاتل الشر ولكن ليس بإمكانه أن يقاتل الغباء»
بإمكان المرء أن يقاتل العالم بأكمله وأن يناقش عدوا ويفاوض خصما أو يحاور مخالفا.وأن يصبر على جاهل يريد أن يتعلم ولكنه حين يصل إلى من أغلق عقله يعلن خسارته. فالعدو يمكن أن يعرف مصلحته والخصم قد يفهم حجتك وإن لم يقبلها والمخالف قد يريك ما لم تره والجاهل الذي يسأل قد يسبق عالما توقف عن السؤال.
أما من يرفض التفكير فلا تعرف كيف تحاوره لأنه لا يريد أن يفهم بل يريدك أن توافقه.
والمفارقة أن كل هذا يحدث في أفضل زمن ممكن لمن يريد أن يعرف فلو نظرنا إلى حالنا اليوم، لوجدنا أن المعرفة كلها أصبحت في متناول اليد.
ما من سؤال إلا وتجد له جوابا ولا معلومة إلا وتستطيع أن تتحقق منها ولا مجال إلا وتجد من يشرحه لك من ألف باب ومع ذلك ما زال هناك من يسلّم عقله لأول من يصادفه.
تفضل ياصاحبي املأه بما شئت.
خبر كاذب؟ لا بأس.
إشاعة؟ على الرحب والسعة.
أما أن يبحث ويتحقق ويفكر فيبدو أن هذه رفاهية لم تصل إليه بعد.
أنا هنا لا أتحدث عن فقير حاصرته الحاجة ولا عن إنسان أثقلته الظروف ولا عن شخص لم تتح له الفرص التي أتيحت.
أتحدث عن ذلك الذي يستطيع أن يتحرك ولا يتحرك ثم يغضب لأن الآخرين سبقوه.
ومن لا يريد أن يتقدم غالبا لا يحب أن يرى غيره يتقدم أيضا فإذا رأى ناجحا يبدأ التحقيق..
من ساعده؟ من يعرف؟ ومن يقف وراءه؟ فلا أحد عنده تعب ولا أحد تعلم ولا أحد وصل بجهده. هذا محظوظ وهذا عنده واسطة وهذا بالتأكيد وراءه أحد.
كل الاحتمالات واردة إلا احتمال أن يكون الشخص قد تعب فعلا.
فهذا بصراحة كلام غير مقنع. وربما تكون هذه أذكى حيلة اخترعها الإنسان لحماية نفسه من الشعور بالتقصير.
لا تعترف بأنك لم تحاول قل إن المحاولة لا تنفع.
لا تعترف بأنك لم تتعلم قل إن المتعلمين لا يفهمون الحياة.
لا تعترف بأن غيرك بذل جهدا قل إنه محظوظ.
وبهذه الطريقة تستطيع أن تبقى في مكانك سنوات طويلة دون أن يزعجك سؤال واحد.
نحن صحيح لانملك جميعنا ذات الفرص أو نفس الرفاهية ولكننا نملك الهاتف نفسه.
أحدهما يتعلم منه لغة والآخر يعرف بفضله تفاصيل حياة سبعة أشخاص لم يقابلهم قط.
كلاهما أمسك الهاتف نفسه.
أحدهما استخدمه ليتعلم ويتحقق ويطور نفسه حتى صار أقوى مما كان والآخر استخدم الأداة نفسها ليملأ رأسه بالشائعات والتفاهات وآراء الآخرين حتى صار أقل قدرة على التفكير مما كان.
الأول استخدم التكنولوجيا لتمكين نفسه والثاني استخدمها بكفاءة لا بأس بها لزيادة نسبة الغباء ثم يلتقيان بعد سنوات فينظر الثاني إلى الأول ويقول:
بعض الناس محظوظون.
نعم. الحظ كائن غريب فعلا يبدو أنه يعرف جيدا أين يجد الذين يستخدمون ما في أيديهم.
كم هو مريح أن تعتقد أن كل من سبقك كان محظوظا فالحظ يعفيك من الأسئلة المحرجة.
لا حاجة لأن تسأل ماذا تعلم ولا كم مرة فشل ولا كم سنة صبرولا ماذا فعل بوقته.
يكفي أن تقول:
ظروفه ساعدته ثم تعود مرتاح الضمير إلى الظروف التي لم تساعدك
وتقضي معها بقية المساء.
المشكلة ليست في أن الإنسان لا يعرف. كلنا لا نعرف أشياء كثيرة وعبارة «لا أعرف» لا تنقص من أحد. وعدم المعرفة أمر طبيعي.
لكن المشكلة، كما أراها، تبدأ مع نوعين من الناس:
الأول لا يعرف لكنه مقتنع تماما بأنه يعرف. يجادل ويكابر ويتفذلك وكلما حاولت أن تشرح له اكتشفت أنه لم يكن ينتظر منك شرحا أصلا بل كان ينتظر أن توافقه
والثاني لا يعرف ويعرف أنه لا يعرف ولا يريد أن يعرف. وهذه أيضا لا بأس بها لولا أنه يصر على أن يفلسف لك عدم معرفته.
الغريب أن الإنسان يحافظ على الأشياء التي لا يستخدمها.
يخرج السيارة كي لا تصدأ ويشحن الهاتف كي لا تتلف البطارية ويفتح النوافذ كي يدخل الهواء لكنه قد يترك عقله سنوات في مكان مظلم ثم يتفاجأ حين لا يعمل كما ينبغي. وكأن العقل هو الشيء الوحيد الذي يتحسن بالإهمال.
لا أحد مطالب بأن يكون عبقريا ولا أن يعرف كل شيء ولا أن يصل إلى أول القائمة لكن يصعب ألا تتعجب من إنسان أعطي قدرة على التعلم فاستخدمها في شرح الأسباب التي لم تترك له وقتا ليتعلم أو يعمل. وأعطي قدرة على التفكير فاستخدمها في اختراع أسباب تمنعه من التفكير. وأعطي وقتا للبذل والتعلم والعمل فأنفقه كله في الشكوى من أنه لا يملك الوقت.
هذه ليست قلة إمكانات هذه موهبة نادرة في إهدارها. ولهذا قد يقاتل المرء العالم بأكمله، لكنه حين يصل إلى هذا النوع من الجهل ينسحب لا عجزا بل لأن الاستمرار معه استنزاف لوقته وعقله وأعصابه في معركة عجيبة. عاجزاً أمام هذا اللغز.كيف تساعد إنسانا لا تنقصه القدرة بل تنقصه الرغبة في استخدامها؟ كيف تدفع إلى الأمام من وجد في آخر القائمة مكانا مريحا ثم جلس فيه وانتقد ترتيب الواقفين؟
هنا فقط يعلن المرء خسارته فليس أصعب من أن تقاتل العالم من أجل إنسان ثم تكتشف أن آخر من يقف في طريقه هو نفسه.
في الواقع الغباء يشبه الشخير؛ صاحبه يغط في نوم عميق وهانئ بينما من حوله يفكرون بجدية في ارتكاب جريمة.
** **
- كاتبة يمنية مقيمة في السويد

