ما الفرق بين الصقور و«الدرونز»؟ الحمامُ في ملاعب التنس بـ«ويمبلدون» لا يخاف من «الدرونز» لكنه يجفل إذا ما قدم صقر!
الصقور والحمام لا يحتاجان إلى توضيح، أما «الدرونز» فقد أصبحت اليوم اسماً مألوفاً للطائرات المسيّرة بأنواعها وأحجامها المختلفة، التي تبدأ بحجم عقلة إصبع، وتنتهي بحجم طائرة، وقد باتت علامة على عصرنا تُستخدم في الأغراض السلمية والحربية على حد سواء.
علاقة العاصمة البريطانية لندن بطيور الحمام قديمة، لكن علاقتها بالصقور تُعدّ حديثة بالمقارنة. كان الحمام جزءاً من مفردات معجم «مدينة الضباب»، فحين تُذكر المدينة تنبثق في ذاكرتنا أسرابه، وهي تحطُّ أو تطير في ميدان الطرف الأغر. إلا أن تلك العلاقة كانت، منذ سنوات مضت، ضحية مواجهة عنيفة مع سلطات المدينة، أفضت إلى هزيمة الحمام وتخليه عن الميدان التاريخي، تاركاً في غيابه فراغاً عاطفياً في قلوب السائحين.
في عام 2000، شهدت لندن أول انتخابات شعبية لاختيار أول عمدة للمدينة. ورغم أن حزب العمال اختار مرشحاً رسمياً، قرر السياسي المشاغب كين ليفنغستون خوض المعركة مستقلاً، ليفوز بالمنصب ويدخل التاريخ كأول عمدة منتخب للمدينة.
بدأ ليفنغستون ولايته بشنّ حرب شرسة على الحمام في ميدان الطرف الأغر، بعد أن تبيّن له أن تنظيف الميدان من فضلاته وأوساخه كان يلتهم جزءاً كبيراً من ميزانية المدينة. خلال حملته تلك، كان العُمدة يكرر في تصريحاته لوسائل الإعلام على وصف الحمام بـ«جرذان بأجنحة» يجب القضاء عليها. ولأنها حرب مختلفة، احتاجت إلى استراتيجية تتسق وإمكانات «العدو»، فلجأ العمدة إلى الاستنجاد بخصم تاريخي للحمام، ووجد ضالته في شركة متخصصة في تأجير الصقور. كان دخول الصقور إلى ذلك الميدان يؤرخ لبداية علاقتها بلندن. وحين أُحضرت ودخلت من الباب الرسمي وفي أكبر معلم، هجَّ الحمام خائفاً في كل الاتجاهات طلباً للنجاة. نجحت الخطة تماماً، وتمكنت الصقور من أداء وظيفتها على أفضل وجه، ولم يعد الحمام إلى ميدان الطرف الأغر.
تلك السابقة اللندنية وجدت لها صدى بعد سنوات في مكان آخر من العاصمة نفسها، حين واجه منظمو إحدى أعرق بطولات كرة التنس الأرضية في العالم المعضلة ذاتها. فخلال دورة التنس هذا الصيف قرأت في وسائل الإعلام خبراً عن لجوء المسؤولين في بطولة ويمبلدون إلى استخدام «الدرونز» لإبعاد الحمام عن الملاعب.
خلال السنوات الماضية، لجأ نفس المسؤولين إلى استنساخ استراتيجية أول عمدة للندن كين ليفنغستون، باستئجار صقر شهير يُدعى «روفو»، وأوكلوا إليه مهمة إجلاء الحمام عن ملاعب التنس فنفذها بمهنية لا تختلف عن مهنية صقور ميدان الطرف الأغر.
الخبر المنشور في وسائل الإعلام البريطانية يتحدث عن لجوء المسؤولين في دورة ويمبلدون إلى الاستعانة بـ«الدرونز»، وهو أمر قد يفهم منه الاستغناء عن خدمات الصقر «روفو». لكن المسؤولين، في ردودهم على أسئلة وسائل الإعلام، اعترفوا بأن اللجوء إلى تكنولوجيا الدرونز لم يأتِ نتيجة فشل الصقر في مهمته، أو الاستغناء عن خدماته، بل يأتي كجزء مكمّل للعملية، موضحين أن الدرونز تستخدم أساساً في مراقبة محيط الملاعب من الجو ورصد أي إخلال بالأمن أو حركة غير معتادة قد تربك سير البطولة، وهي مهام استطلاعية بحتة لا علاقة لها بترهيب الطيور.
وطمأن المسؤولون في ويمبلدون المتسائلين بأن «روفو» باقٍ في منصبه وأداء مهمته، ما استمرت البطولة التاريخية. لأن «الدرونز» الإلكترونية قادرة على أداء مهام عديدة ومتقدمة في الاستطلاع والبحث، لكن الحمام ببساطة... لا يخافها!
مهمة التخويف الشاقّة بطبيعتها، تُركت للصقر «روفو». فالدرونز المستخدمة في الملاعب، على كل ما تملكه من تطور وذكاء، لم تُتقن بعد لغة الرعب التي يفهمها الحمام منذ فجر الخليقة مجسّدة في مخالب صقرٍ حقيقي.

