قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة لم تكن حدثاً ديبلوماسياً عادياً، ولم تكن أهميتها في إعادة تثبيت تماسك الحلف أو في تجاوز الخلافات الأوروبية الأميركية. القمة أعلنت انتقال الولايات المتحدة من حرب مبتورة مع إيران إلى استراتيجية استنزاف منظّم، تجمع بين الضربات العسكرية المتعاقبة، والخنق الاقتصادي، وإضعاف القدرة الإيرانية على استخدام مضيق هرمز والأذرع الإقليمية أوراقاً لفرض شروطها على واشنطن.هذا هو التحول الذي ظهر من أنقرة. دونالد ترامب لم يعلن حرباً شاملة، ولم يعد إلى سياسة التراجع، ولم يتمسك بمذكرة تفاهم منحت طهران أكثر مما انتزعت منها. أطلق مرحلة تقوم على موجة من الضربات، ثم مهلة لاختبار الجدية الإيرانية، ثم موجة أخرى إذا استمرت المماطلة وشراء الوقت. الولايات المتحدة باتت قادرة على مواصلة هذا النمط لأن قواتها ما زالت في المنطقة، والحصار البحري قابل لإعادة الفرض، ومضيق هرمز لم يعد في القبضة الإيرانية كما أرادت طهران أن توحي.قمة أنقرة منحت هذا التحول غطاءً أطلسياً. أوروبا اعتمدت صيغة أكثر مرونة في تفهم الإجراءات الأميركية ضد إيران، والحلف دعم حرية التحرك الأميركي في مضيق هرمز وما يتصل بأمن الملاحة والطاقة. الأوروبيون لا يريدون مواجهة دونالد ترامب قبل الانتخابات النصفية الأميركية، ولا يريدون تحويل الخلاف معه إلى جزء من الصراع السياسي الداخلي في الولايات المتحدة. تعلموا التكيف مع إدارة الرئيس الأميركي غير الاعتيادي من دون التخلي عن مصالحهم، وواصلوا في الوقت ذاته تعزيز القاعدة الصناعية العسكرية الأوروبية كي تصبح أوروبا أقل اتكالاً على المؤسسة العسكرية الأميركية، ولكن داخل الحلف لا خارجه.الولايات المتحدة باقية بصلابة في حلف شمال الأطلسي. الحديث عن خروجها منه فقد أساسه. المناوشات مع إسبانيا وإيطاليا بقيت عاطفية وسياسية أكثر منها استراتيجية. التماسك الفعلي ظهر في القرارات المتعلقة بأوكرانيا، وفي رفع الدعم المالي والعسكري، وفي قبول استهداف منشآت الطاقة ومصافي النفط الروسية كجزء من استنزاف موسكو.روسيا تلقت من أنقرة ما يناقض تماماً ما اعتقدت أنها حققته في أنكوريج. فلاديمير بوتين راهن على تفاهم مباشر مع ترامب يخفف الضغط على موسكو ويعيد ترتيب العلاقة الأميركية- الروسية. قمة أنقرة ألغت هذا الرهان. الدعم لأوكرانيا تعزز، والهجمات على مصافي النفط الروسية دخلت في إطار الضغط المشروع، وأزمة الوقود وارتفاع الأسعار انتقلا من الاقتصاد إلى السياسة والنفسية العامة. تأثيرهما ظاهر أمام الشعب الروسي، لا داخل دوائر الحكم فقط. الرسالة إلى بوتين كانت واضحة: ما توقعته من ترامب لم يتحقق، والانتظار عاد جزءاً من المعادلة.الصين غابت عن البيان الختامي بقصد. لم تُذكر بصفتها عدواً أو خصماً، ولم توجه إليها رسالة أطلسية سلبية. ترامب يريد ضبط العلاقة مع شي جين بينغ قبل استقباله المرتقب في الولايات المتحدة في أيلول/ سبتمبر، ولا يريد فتح جبهة مع بكين فيما يعيد ترتيب المواجهة مع إيران وروسيا. فصل الصين عن لغة التصعيد الأطلسي كان قراراً أميركياً، لا إغفالاً.رجب طيب أردوغان خرج معززاً من القمة. استضاف الحلف، وأثبت أن تركيا قادرة على إدارة الملفات الأوروبية والشرق أوسطية في آن واحد. نجح في إحضار الرئيس السوري أحمد الشرع إلى أنقرة للقاء ترامب، وكرس نفسه بوابة أساسية في الملف السوري. لبّى أيضاً الطلب الأميركي بعدم مهاجمة إسرائيل في خطابه، لأن أي لغة تركية حادة من منصة الناتو كانت ستكتسب بعداً أطلسياً وتربك العلاقة الأميركية- الإسرائيلية. أردوغان اختار تثبيت موقع تركيا داخل الحلف وتعزيز نفوذها في سوريا ولبنان بدلاً من فتح مواجهة جانبية حول إسرائيل.إيران كانت مركز التحول الحقيقي. ترامب عاد إلى اللغة التي استخدمها في بداية الحرب. وصف القيادة الإيرانية بالخداع والنفاق، وأنهى مذكرة التفاهم التي احتاجتها طهران أكثر مما احتاجتها واشنطن. إيران لم تكن تريد تلك المذكرة لشراء الوقت فقط. كانت تريد الأموال: الإفراج عن الأصول المجمدة، تخفيف العقوبات، فتح مسار اقتصادي، والمطالبة بالتعويض عن أضرار الحرب. الاقتصاد الإيراني ينهار. التضخم والبطالة والاختناق المالي تهدد قدرة الحرس الثوري على تمويل ترسانته ووكلائه، وتهدد النظام بانفجار داخلي جديد.الضربات الأميركية استهدفت القدرات العسكرية المرتبطة بمضيق هرمز، ومنها أجهزة الرادار الضرورية لمحاولة السيطرة الإيرانية عليه. تدمير هذه القدرات حرّر واشنطن جزئياً من خوفها الأكبر في بداية الحرب. إذا فقدت إيران القدرة الفعلية على التحكم بالمضيق، تفقد أهم وسيلة لابتزاز الولايات المتحدة والعالم. مضيق هرمز لم يعد ورقة ثمينة في يد طهران. أصبح المشنقة حول عنقها والبطاطا الساخنة التي يصعب الاحتفاظ بها.إعادة الحصار البحري على الموانئ الإيرانية أصبحت منطقية بعد انتهاء مذكرة التفاهم. وقف الترتيبات التي سمحت لإيران بنقل النفط وبيعه يعيد الخنق الاقتصادي إلى مركز السياسة الأميركية. جزيرة خرج عادت أيضاً إلى الحسابات. المؤسسة العسكرية الأميركية اعتبرتها منذ البداية مفتاح الهزيمة والانتصار، لأنها مركز الثقل النفطي والاقتصادي والعسكري. سيطرة أميركية عليها أو تعطيل دورها يشلان قدرة إيران على تصدير النفط وتمويل الدولة والحرس الثوري. ترامب رفض هذا الخيار سابقاً. تكراره الحديث عنه الآن يعني أن الخطط القديمة عادت إلى الطاولة، وأن الجهوزية العسكرية الأميركية أصبحت أفضل.إيران لم تهاجم حاملات الطائرات أو السفن الحربية الأميركية مباشرة. هذا ليس ضبطاً للنفس بقدر ما هو إدراك لاختلال ميزان القوة. اختارت الثأر من الدول الخليجية المجاورة والأردن. الهجمات على الكويت والبحرين والأردن، وقبلها السفن السعودية والقطرية، تعوض العجز عن مواجهة الولايات المتحدة في البحر. الخليج يبقى ساحة الانتقام الأسهل، والبحرين تبقى في الحسابات الإيرانية الخاصرة الأضعف. هذا يفرض آلية دائمة بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي لبحث أنماط الثأر الإيراني والاستعداد لها، لا الاكتفاء بالتنسيق عند وقوع الهجمات.لبنان هو الاختبار الأوضح لتراجع أوراق إيران. طهران حاولت فرض وقف الحرب في لبنان بنداً أول في مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة. إدارة ترامب وماركو روبيو مصممان على فصل المسار اللبناني عن المسار الأميركي- الإيراني. المفاوضات التي ترعاها واشنطن بين الدولة اللبنانية وإسرائيل أصبحت المسار الأساسي لإزالة الاحتلال الإسرائيلي وتكريس حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية.إيران قد تدفع "حزب الله" إلى التصعيد الداخلي أو إلى محاولة إسقاط الحكومة. الأرجح أنها ستفشل. إسرائيل ستواصل المفاوضات، وستواصل في الوقت نفسه ضرب "حزب الله" والحرس الثوري في لبنان. لن تقبل بفرض إيران على لبنان، لا بقرار إيراني ولا بتفاهم أميركي ناقص. قدرة طهران على ربط لبنان بمفاوضاتها الثنائية تراجعت، وقدرتها على حماية أذرعها تراجعت معها. الوكلاء الذين كانوا أدوات تمدد دخلوا مرحلة العناية الفائقة.قمة أنقرة لم تنه الحرب الأميركية- الإيرانية. أنهت مرحلة التردد في إدارتها. أقله الآن. الولايات المتحدة انتقلت من حرب مبتورة ومذكرة تفاهم هشة إلى استنزافٍ عسكري واقتصادي وسياسي متدرج. إيران ما زالت قادرة على الإيذاء والثأر، لكنها لم تعد قادرة على فرض قواعد الاشتباك التي أرادتها. هرمز يتحول إلى عبء، جزيرة خرج تعود إلى الحسابات، لبنان يخرج من المسار الإيراني، والأذرع تفقد قدرتها على المبادرة.
التحوّل الأميركي وإعادة ترتيب الخصوم والحلفاء بعد قمة أنقره
مواضيع ذات صلة

