: آخر تحديث

العقل والطب

8
8
7

عبد الله سليمان الطليان

في وقتنا الحاضر يشهد مجال الطب تقدما كبيرا في الكثير من توفير الدواء ووسائل طبية متطورة تساعد على تشخيص دقيق للعديد من الأمراض، ولكن بقية بعض من هذه الأمراض في تصنيف الأمراض المزمنة والمستعصية والتي من الصعب أحياناً التغلب عليها وهي يمكن أن تعطل حياة المريض وتجعل جسده في حالة مرهقة ومتعبة وتحتاج إلى علاج طويل مثل مرض السرطان على سبيل المثال.

طبعاً تجعل عند بعض المرضى قلقلا وتوارد أفكار وسواس يؤدي إلى الأرق والسهر والنوم الطبيعي. سوف أذكر ما قاله الدكتور (دانيال جولمان) هو عالم نفس أمريكي في كتابه (الذكاء العاطفي) في جزء مخصص للعقل وعلاقته بالطب وهو يتحدث فيه عن حالة المريض النفسية وكيفية تعامل بعض الأطباء مع المريض خاصة في الأمراض المستعصية حيث يقول: أن الرعاية الطبية الحديثة ينقصها الذكاء العاطفي في معظم الأحيان.

قد تكون مقابلة المريض مع ممرضة أو طبيب فرصة التأكيد معلومة أو للشعور بالراحة أو السلوى، ومن ناحية أخرى قد تصبح الحقيقة إذا عرفها المريض دعوة لليأس، وقد يصدم الطبيب مريضة حين يعرض على مصارحته بحالته الصحية. وقد لا يكترث بما يصيب المرضى من قلق وأسى لكن في الوقت نفسه هناك أيضاً ممرضات وأطباء رحماء لا يتعجلون مصارحة المريض قبل البدء في علاجه والتأكد من المرض. لكنا ترى أن المؤسسة العلاجية شاع فيها إغفال الأطباء لما تسببه مصارحتهم من تأثير على المرضى، وقد تكون ضغوط العمل هي التي تجعل الأطباء لا يفعلون شيئا من أجل مرضاهم ويبدو أن الأمور تسير من سيء إلى أسوا مع واقع النظام الطبي المرير، الذي يحاسب فيه الطبيب وفقاً لعدد الساعات التي يعملها.

وفضلاً عن الجانب الإنساني في رعاية الأطباء للمرضى تحت العلاج يلزم أن يوضع في الاعتبار، كجزء غير منفصل من العالم الطبي، تقدير واقع المرضى السيكولوجي والاجتماعي، ومن الممكن اليوم أن نقول علمياً إن هناك هامشاً من الفعالية الطبية سواء في مجال الوقاية يمكن توفيره بعلاج حالة الناس الانفعالية بجانب حالتهم الجسمية لكن هذا لا يحدث - بطبيعة الحال - مع كل حالة أو موقف، وإذا نظرنا في بيانات مئات الحالات، فسنجد أن هناك دلائل متزايدة على أن العلاج يكون أنجع إذا أصبح التدخل العاطفي جزءاً ثابتاً من الرعاية الطبية بالنسبة للأمراض المستعصية.

لقد صاغ الطب رسالته - تاريخياً - في المجتمع المعاصر على أساس: علاج المرض أو العلة البدنية دون الاهتمام بخبرة المريض بحالته المرضية. ومع مجاراة المرضى النظرة الأطباء للمشكلة، يشتركون معهم في مؤامرة تجاهل ردود الفعل الانفعالية لديهم تجاه مرضهم، وإهمال هذه الانفعالات باعتبارها أمراً منقطع الصلة بمرضهم ويتعزز هذا الموقف بالنموذج العلاجي الذي يستبعد كلية فكرة أن للعقل تأثيرا في الجسد نتيجة لذلك، وهناك في الاتجاه الآخر، أيديولوجية عقيمة تتمثل في فكرة أن الناس يمكنهم علاج أنفسهم من أخبث الأمراض بإسعاد أنفسهم، والانشغال بالأفكار الإيجابية، أو بتأنيب أنفسهم لأنهم قد تسببوا في المرض. ونتيجة لهذا اللغو القائل بوجود العلاج بالإرادة، انتشر التشوش وسوء الفهم حول مدى تأثر المرض بالذهن، وأحياناً - وهو الأسوأ - أن يجعل الناس يشعرون أحياناً بالذنب لأنهم مرضى كما لو أن المرض دليل على انحراف أخلاقي أو أنهم يفتقدون قيمة حياتهم الروحية.

- أعقب على هذا (أن المسلم القريب من الله الذي يلح في الدعاء ويصبر على القضاء والقدر يجلب له راحة والطمأنينة في النفس).

فالحقيقة تقع عند نقطة ما بين هذين الطرفين المتناقضين، وإنني أقصد من تصنيفي للبيانات العلمية أن أوضح التناقضات واستبدل بالتفاهات تفهماً أكثر وضوحاً للدور الذي تلعبه عواطفنا وذكاؤنا الاجتماعي في الصحة والمرض.

تؤكد الدراسة أن الانفعالات المشوشة ضارة بالصحة إلى حد ما. وتبين أن من يعانون من قلق مزمن، وفترات طويلة من الحزن والتشاؤم، وتوتر دائم. أو عداوة لا تفتر، أو طباع حادة وشكوك، هؤلاء يتعرضون ضعف ما يتعرض له غيرهم لخطر الإصابة بالأمراض مثل الربو، والتهاب المفاصل، والصداع، وقرح المعدة، ومرض القلب، وهذا الاتساع في النطاق يجعل الانفعالات المزعجة، تماثل سموما خطرة كالتدخين مثلاً، أو ارتفاع نسبة الكولسترول في مرض مثل مرض القلب... أي أنها خطر كبير على الصحة.

ومن المؤكد أن هذا يمثل ارتباطاً إحصائياً واسع النطاق يوضح أن كل من يعيش هذه المشاعر المزمنة سيقع فريسة الأمراض بسهولة أكثر، غير أن الأدلة أوسع نطاقاً مما تشير إليه هذه الدراسة الشاملة من دور فاعل تلعبه العاطفة في الأمراض. وستوضح لنا نظرة أكثر تفصيلاً إلى بيانات الانفعالات المحددة، وخاصة الثلاثة الكبار منها الغضب والقلق والاكتئاب. أن للمشاعر أهمية طبية، على الرغم من أن الآليات البيولوجية التي تأثرت. بها هذه الانفعالات، لم تفهم بعد تمام الفهم.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد