إيلاف من الرباط: صدر أخيرا، عن منشورات "مونافريك برودكوم"، كتاب جديد تحت عنوان "الأسطورة والحقيقة.. سيرة وثائقية عن محمد بن عبد الكريم الخطابي"، متضمنا دراسات لباحثين متخصصين معززة بوثائق رفعت عنها السرية أخيرا، حول علاقة الخطابي بالمستعمر الإسباني خلال فترة الحماية، وهي وثائق يقول دارسون إنها "مهمة"، و"تكشف حقيقة الأمور، وتدحض بعض المزاعم التي تحولت مع الزمن إلى شبه حقيقة".
.jpeg)
غلاف كتاب "الأسطورة والحقيقة"
حياد وحقيقة
تحدثت لجنة التنسيق في تقديمها للمؤلف الذي صدر في طبعة أنيقة من 466 صفحة، تحت إشراف محمد خباشي، عن سببين لإصدار هذا الكتاب، أولهما، الحفاظ على منطق الأحداث والوقائع التاريخية، والوفاء لصنعة التاريخ التي تفرض الحياد وقول الحقيقة كيفما كانت، حتى وإن كانت "حقيقة بعض مواقف الخطابي - المرحلية – لم ينظر إليها بعين الرضى من قبل بعض الهيئات السياسية". وثانيهما، "حتى لا تستعمل ورقة حركة المجاهد الريفي من قبل خصوم الوحدة الترابية للمملكة المغربية، الذين لا يدخرون جهدا في استثمار الرأسمال الرمزي لنضال هذا الزعيم لتغذية أطروحات انفصالية يرفضها المغاربة جملة وتفصيلا، ولا ترضي إلا نزوات الأعداء المتربصين بالوطن الآمن".
.jpeg)
مسار نضالي ومنعطفات مهمة
رأت لجنة التنسيق أن الأبحاث المنشورة حققت – نسبيا- ذلك التكامل المطلوب في كل عمل، إذ استوعبت الابحاث سيرة محمد بن عبد الكريم الخطابي من الولادة حتى الوفاة، وعرضت الأحداث الكبرى في حياته، وتوقفت عند المنعطفات المهمة في مساره النضالي ، كما تطرقت لعلاقاته بإدارة المخزن ( السلطة الحاكمة)المغربي وبقادة الاحتلال الإسباني، ثم مواجهته للفرنسيين الذين نفوه إلى جزيرة لا ريينيون، ولجوئه إلى مصر بعد ذلك، فضلا عما صدر منه من مواقف وبيانات في كل مرحلة. كل ذلك بشكل يسمح للقارئ بأن يتتبع سيرة الخطابي بمعزل عن الأغراض والأهواء".
.jpeg)
أبحاث ووثائق
توزعت الكتاب 10 أبحاث لمتخصصين وباحثين، بداية ورقة لأحمد بن علي الريسوني حملت عنوان "محمد بن عبد الكريم الخطابي من خلال الوثائق الرسمية الإسبانية 1902 – 1916"؛ ثم 'الجمهورية الريفية من خلال وثائق عصبة الأمم.. السياق الدولي والأثر 1921 – 1923" لإسماعيل البشير العلمي، و"ازدواجية الخطاب في النص السيري لابن عبد الكريم الخطابي.. بين التاريخي و"الشعبوي" لأحمد الحرشي؛ و"الخطاب الديني عند محمد بن عبد الكريم الخطابي من خلال وثيقة بيعته.. قراءة في السياق والمضمون" ليونس السباح؛ و"إعلان "جمهورية الريف" في الصحافة الإسبانية (1922)" لرشيد العفاقي؛ و"موقف محمد ابن عبد الكريم الخطابي من المقاومتين: .. الريفية والجبلية" لجمال الدين الريسوني؛ و"محمد عبد الكريم الخطابي.. الاستغلال الرمزي في البروباغندا الكولونيالية" لأمين صوصي علوي؛ و"جزيرة لا رينيون.. منفى ابن عبد الكريم الخطابي (1926 - 1963)؛ و"محمد بن عبد الكريم الخطابي في نصر (1947 – 1963) لعدنان الطنجي، فضلا عن ورقة تضمنت ترجمة نماذج مختارة لـ"وثائق عبد الكريم الخطابي وولده محمد في الأرشيفات الإسبانية" من إنجاز لجنة التنسيق والترجمة.
.jpeg)
أهمية الخطابي في تاريخ المغرب
انطلقت لجنة التنسيق، في معرض تقديمها للكتاب، من تاريخ المغرب، الذي احتل فيه رجالٌ مكانة مرموقة بما قدموا من أعمال، يجري استحضار أسمائهم في عدد من المناسبات تذكارا للبطولات وأيام الملاحم. وفي هذا السياق، تأتي ملحمة معارك التصدي للاحتلالين الفرنسي والإسباني، كواحدة من أهم الملاحم الوطنية التي انخرط فيها المغاربة في القرن العشرين، فبرز في الميدان رجال نذروا أنفسهم للدفاع عن البلاد ودفع شَرَه الطامعين وآذى المحتلين.
وبينما ظهر في العمل السياسي رجال واجهوا مشاكل الاحتلال بحكمة وتبصر ودبلوماسية، برز آخرون في العمل الميداني الحربي فما قصروا في الدفاع عن الوطن. وتشير لجنة التنسيق، في هذا الصدد، إلى أن محمد بن عبد الكريم الخطابي هو من نجوم الطائفة الثانية.
وشددت اللجنة على أهمية الخطابي في تاريخ المغرب، مشددة على أنه "تكفي إطلالة على بيبليوغرافيا الأبحاث التي تناولت بالدرس والتحليل سيرته وحركته النضالية حتى ندرك شساعةالمساحة التي احتلها ابن عبد الكريم في الذاكرة التاريخية المغربية".
وتندرج الحوافز الذاتية والموضوعية التي أنتجت الإصدار الجديد في نفس السياق الذي كتبت فيه الأعمال السابقة، بانتظامها في سلك التأريخ لرجل أثر في مسار حركة تاريخ البلاد، غير أن ما يميز هذا الكتاب هو أنه تناول الموضوع من زوايا جديدة، وعلى ضوء كم من الوثائق التي ظهرت في السنين الأخيرة، ولا سيما الوثائق الإسبانية والإنجليزية التي تضمنت شهادات كان من شأنها أن مكنت الباحثين من إنجاز مقاربات خالفت التصورات السائدة".
.jpeg)
مراسلات وتقارير
يعرض الكتاب مجموعة من الوثائق، هي "مراسلات وتقارير تثبت ولاء عبد الكريم (الأب) وولده محمد، لإسبانيا وحسن سيرتهما ومساعدة الإسبان لهما، بالإضافة إلى وثائق تتعلق بشكوى عبد الكريم من اعتداءات أهل قبيلته الورياغليين عليه، وكذا من المخزن المغربي، ثم تهنئته للإسبان في بالانتصار على الريفيين في بعض المعارك، ناهيك عن مراسلات تتعلق بطلبه وولده الحصول على الجنسية الإسبانية، ونيلهما الأوسمة السامية من لدن الإسبان".
ويشير الكتاب، في هذا الصدد، إلى أن "الخطابي نفسه لم ينكر، دوام اتصاله بالإسبان، إذ يقول في إحدى مذكراته "ومع خطورة الموقف فقد اتفقت وشقيقي أن نعمل المستحيل لاجتناب الحرب، حتى أننا قررنا بعد وفاة والدي بيومين أن نكتب إلى القيادة الإسبانية نسألها الإقلاع عن سياستها الخرقاء، والاتفاق معنا على حكم الريف حكما يساعده على التقدم ويغمره طمأنينة وسلاما".
استغلال وخلط للأوراق
شكل محمد بن عبد الكريم الخطابي، على مستوى الوعي العام، طاقة معنوية في مسيرة الوحدة الوطنية والنضال ضد الاستعمار، ولكن الظاهر، بحسب لجنة تنسيق الكتاب، أن "موضوع سيرته وحركته في بلاد الريف قد جرى توظيفهما في غير ما وجهة وقضية، حتى وصل الأمر بالبعض إلى الدعوة إلى "الانفصال" مستغلين الرصيد النضالي للزعيم الريفي ، وهو ما أدى إلى خلط الأوراق، حتى بات الجهاد والتآمر على الثوابت الوطنية وجهين لعملة واحدة".
وانتقد الكتاب توظيف سيرة الخطابي في غير المنطق التاريخي الذي جرت فيه، مشددا على أن "الخطاب الشعبوي تدخل ليوظف سيرة الزعيم الريفي في غير ما معركة".
ويذهب الكتاب إلى أن دعوة البعض إلى "الانفصال"، استندت على "وثائق تثبت سعي الرجل في فترات سابقة، فصل المغرب عن ريفه في مشروع سمي "جمهورية""، غير أن ""مشروع الجمهورية الريفية"، يضيف الكتاب، "ربما كان مشروع الخطابي الأب (عبد الكريم) ... ويمكننا أن نرصد ما يعضد هذه الفرضية، بحسب ما ورد في وثيقة إسبانية مؤرخة في اول ديسمبر 1915، تكشف أن عبد الكريم الخطابي تعاون مع الألمان وكان يراهن عليهم في (أن يؤسس في الريف دولة مستقلة تلعب أدوارا كبرى)".
تقلب في المواقف
يخلص عدنان الطنجي، في ختام ورقته تحت عنوان "محمد بن عبد الكريم الخطابي في مصر (1947 – 1963)، إلى أنه يبدو من سيرة الخطابي أنه "تقلب في عدد من المواقف"، هو الذي "بدأ عاملا مع الإسبان في مليلية، وعارضهم فيما بعد، ثم في وقت ما تحالف مع الألمان والأتراك، ثم مال إلى الفرنسيين وما لبث أن انقلب عليهم، ثم جاءت مرحلة المنفى في جزيرة لا ريينيون، وبعدها الإقامة في مصر حيث دشن مشاريع نضالية تقلبت هي الأخرى في عدد من الأشكال والتنظيمات، وخاض خلالها الخطابي معارك، وأعلن عن مواقف، وجند كتائب وهيأها للكفاح المسلح، واستمر يصدر البيانات المحرضة واللاذعة ضد الحكم في المغرب حتى آخر رمق". ومن دون شك، يضيف الطنجي، فهذا التقلب لم يكن مخططا له، إذ إن قسما من تلك المواقف كانت تستدعيها أحداث ووقائع، بينما كان ابن عبد الكريم في مواقف أخرى مدفوعا دفعا".
المغرب الكبير
شدد الطنجي على أن الخطابي "وإن تقلب في مواقفه السياسية مع كل مرحلة، إلا أنه ظل ثابت المواقف من دين الدولة التي كان ينشد بناءها، فقال ذات يوم كلمته الشهيرة التي دشن بها عمله النضالي في مصر بتأسيس "لجنة تحرير المغرب العربي": "المغرب العربي بالإسلام كان، وبالإسلام عاش، وعلى الإسلام يسير في حياته المستقبلية". ثم مضى ابن عبد الكريم الخطابي إلى جوار ربه، يضيف الطنجي، وذلك "بعد أن خلف تراثا نضاليا يفخر به المغاربة، وكانت سيرته مثار إعجاب السلطان محمد الخامس الذي قال يوم التقى به في القاهرة: "إنك بطل، وقد كانت ثورتكم في الريف من أجل استقلال المغرب".


