في زمنٍ لم تعد فيه العلاقات تسير على وتيرة القلب، بل باتت تمشي على حواف المصلحة، وبين ألغام النوايا المبطنة، تتساقط أوراق من كانوا يومًا أقارب، أصدقاء، إخوة، فينهار البناء العاطفي كما ينهار بيتٌ من طين تحت وابل المطر.
قرأت أنَّ ثمَّة رهطًا من الناس، كانوا يحلفون برؤوس أقاربهم، لا من باب الحب أو التعظيم، بل لأن في صدورهم غاية في نفس يعقوب. غاية تُلبس القرب قناعًا، وتستعير وجه الرحم لتُخفي فيه خنجر الغدر. كانوا يقدِّمون الطاعة العمياء، ويبالغون في الاحترام، كأنهم يبنون في قلوب الآخرين عرشًا، ثم سرعان ما هدموه دون تردد، ورموه بحصاة كبيرة من النكران.
لم تكن تلك الطاعة نابعة من مودة أو قرابة صادقة، بل كانت استثمارًا عاطفيًا يبحث عن ربحٍ اجتماعي أو مصلحةٍ آنية. وحين لم تثمر تلك العلاقة كما أرادوا، تحولت الوجوه، وتبدلت النوايا، وانقلب الحب إلى لعنة، والوصال إلى هجاء. وصار الحسد، والغيرة، والضيق، والسخط، مفردات خطابهم الجديد، بعدما نضبت مشاعر الامتنان، وامتلأ صدرهم بعتمة لا يضيئها سوى الشماتة.
كانوا أقارب فقط في دفتر العائلة، لكن في الحياة الواقعية، صاروا تجسيدًا للمثل الشعبي القديم: "أقاربك عقاربك". وكأن اللغة سبقت الزمان حين احتفظت بتوصيفٍ لا يزال حيًّا يتكرر في مدننا وأحيائنا، حيث تتهاوى قيمة النسب أمام طغيان الأنانية.
في خلفية هذا المشهد، يقف التاريخ شاهدًا، فالعلاقات العائلية، التي كانت في المجتمعات التقليدية أشبه بجدران من طين اللبن، متماسكة بالرغم من هشاشتها، قد باتت اليوم محاطة بالإسمنت المسلح، لكنها بلا حرارة، بلا دفء، بلا طين إنساني.
سمعت أن بعض المعارف المحترمين، كما يُدعون، صاروا يظهرون بنرجسية متضخمة، كأنهم نسوا أنهم خُلقوا من تراب. تراهم يتصرفون مع أقاربهم وجيرانهم بكبرٍ يتجاوز كل مروءة، يصرخون بصوتٍ عالٍ، لا ليُسمِعوا حجة، بل ليُسكتوا وجود الآخر.
يسيرون في الحياة كما يسير الطغاة في الممرات الضيقة: مزهوون بصورتهم، مشغولون بإغاظة الآخرين، وكأن العيش عندهم معركة دائمة ضد كل من لا يُشبههم، ضد كل من يُهدد وهمهم المتضخم.
ومع مرور الوقت، تتساقط أقنعة الأخلاق، وتنفضح الادعاءات، وتُكشف العورات المعنوية. فيظهر كذب الوجوه، وغل القلوب، ويفقد الإنسان ملامحه النبيلة، ويصبح صوت صراخه لا يُعبِّر عن ألم، بل عن مرض خفي في القلب.
الغريب أن هؤلاء يصرخون كل صباح، كما تصرخ الريح في الأزقة القديمة، ليس لأنهم يبحثون عن مخرج، بل لأنهم تعلَّموا التلذذ في الشكوى أكثر من السعي، في الصخب أكثر من السكون، في كسر الآخرين أكثر من إصلاح أنفسهم.
وهم، على ما فيهم من ضجيج، يعيشون بيننا. يسكنون أحياء مكتظة، حيث الحوائط رقيقة، والمنازل متقاربة، لكن القلوب متباعدة. ترى جدرانهم عالية، شرفاتهم مزينة، لكن لا دفء فيها، ولا حديث يمر بين بيتٍ وبيت كما كان يومًا في زمن السطوح والمصاطب.
تراهم يصرخون في بلاد تعيش على الكفاف، لا لأنهم لا يملكون، بل لأنهم لا يرضون. بدلاً من أن يُفكروا في تحسين حياة أبنائهم، يبحثون عن وسيلة لعرقلة أبناء غيرهم. وكأنهم لا يريدون النجاة، بل يريدون أن يغرق الجميع معهم في الطين ذاته.
في محاولة للهروب من واقع مُربك، جلست أمام شاشة الكمبيوتر، وبدأت أتنقل بين صور الماضي، كأني أستعرض وجوهًا منسية، شوارع غابرة، وسينما كانت تعرف كيف تزرع فينا دهشة الحياة.
وقعت عيني على فيلم حب في الظلام للمخرج الكبير حسن الإمام. فيلمٌ لم يكن مجرد عمل فني، بل مرآة لزمنٍ لم يعد موجودًا، زمن كانت فيه الكلمة الملقاة على الشاشة تحمل وزنًا، وكانت النظرة الصامتة تقول أكثر من عشرات الجمل.
تابعتُ وجوه عمالقة الفن: عماد حمدي، فريد شوقي، أمينة رزق، هند رستم. كانوا يؤدون أدوارهم بروحٍ تشبه الشعر. لم تكن المشاهد مرسومة فقط، بل كانت محسوسة، حقيقية، قادمة من عمق التجربة والصدق الإنساني. لغة حوارية تلامس الروح، تجعلك تنصت لا لأن الصوت مرتفع، بل لأن ما يُقال عميق.
حتى الأبيض والأسود، الذي قد يراه البعض اليوم قديمًا، كان في الفيلم مثل ضوء القمر: ناعمًا، كاشفًا، وصامتًا في آنٍ معًا. الأبيض والأسود لا يُجمِّل، بل يكشف. لا يغش، بل يضيء ما تخفيه الألوان.
في المقابل، تنظر إلى ما يُعرض اليوم من أفلام ومسلسلات، فتجد الطرح سطحيًا، واللغة فجة، والمشاعر مزيفة. شاشة تتخمنا بالصور، لكنها تفرغنا من الإحساس. تحرك العين، لكنها لا تلامس القلب.
فأين ذهب كل هذا العمق؟ هل نحن من تغيرنا؟ أم أن الفن حين فقد قضاياه، فقد أيضًا روحه؟ هل نحن أبناء عصرٍ باتت فيه الصور أسرع من الكلمات، والصرخات أعلى من الأصوات الهادئة التي كانت تعلمنا كيف نحب؟
في المشاهد الثلاثة، ثمَّة خيط خفي يجمعها. إنه الخذلان.
خذلان الإنسان لأقربائه، خذلان القيم في المواقف اليومية، خذلان الفن في التعبير عن الإنسان. كلها وجوه متعددة لانكسارٍ واحد. هذا الانكسار الذي نحياه في عمقنا الاجتماعي، حين تتحول العلاقات إلى معادلات مصلحة، والقيم إلى شعارات، والتجارب إلى مشاهد سريعة تمر دون أثر.
لكن السؤال الأهم يبقى:
هل يمكن أن نستعيد العمق؟ أن نبني من جديد صلة رحمٍ بلا شروط، وقيمًا لا تُفرغها النرجسية، وفنًا لا يستبدله الضجيج؟
ربما تكون الإجابة فينا نحن. في كل مرة نختار فيها الصمت بدلاً من الصراخ، والصدق بدلاً من الزيف، والحب النقي بدلاً من المصالح الخبيثة.
وربما حين نُشاهد فيلمًا صادقًا، أو نقرأ نصًا حقيقيًا، أو نسمع قصةً تُشبهنا، نعود للحظةٍ من النقاء الإنساني.
فالحياة، كما الفن، تحتاج فقط إلى قليلٍ من النور، حتى لو كان في الظلام.


