: آخر تحديث

بين جهادين!

2
3
4

عبدالعزيز الفضلي

اتجهت أنظار المسلمين خلال الأيام الماضية نحو منظر حجاج بيت الله الحرام وهم يؤدون المناسك، وتنقّلهم من مشعر إلى آخر بثياب الإحرام البيضاء، وبأصوات التلبية، فاشتاقت القلوب وتمنّت النفوس لو كانت بينهم.

وتذكرت إخوة لنا في موقع آخر يؤدون عبادة وفريضة أخرى ربما تم نسيانهم، وغفلت الناس عن الحديث عنهم، وهم المرابطون على أرض غزّة العزّة .

فخطر ببالي عقد مقارنة بين كلا الفريقين، ورد في الحديث الشريف أن النبي صلى الله عليه وسلم، سُئل: أي العمل أفضل؟ فقال: (إيمانٌ بالله ورسوله)، قيل: ثم ماذا؟ فقال: (جهادٌ في سبيله)، قيل ثم ماذا ؟ قال: (حجٌ مبرور).

وأما صور المقارنة بين الفريقين، فإن الحج جهاد لا شوكة فيه، وجهاد أهل غزة جهاد دماء وأشلاء.

الحُجّاج لبسوا الإحرام، وأهل غزة لبسوا الأكفان.

الحجّاج استجابوا لنداء: (وأَذِّنْ في النّاسِ بالحَجِّ يَأْتوكَ رِجالاً)، وأهل غزة استجابوا لنداء: (انْفِروا خِفافاً وثِقالاً وجاهِدوا بِأمْوالِكُم وأنْفُسِكم في سَبيلِ اللهِ).

الحجّاج سكبوا الدموع والعَبَرات، وأهل غزة سالت دماؤهم في الطُّرقات.

الحجّاج نَحَروا هَدْيَهم تقرباً لربهم، وأهل غزة نُحِرت رقابهم في سبيل الله.

الحجّاج رموا الجمرات، وأهل غزة رُجِموا بالصواريخ والدبابات.

ومع هذه المقارنة أتذكر تلك الأبيات التي أرسلها عبدالله بن المبارك، وهو يرابط على الثغور إلى أخيه الفضيل بن عياض، والذي جاور الكعبة يتعبد الله، يقول فيها:

يا عابدَ الحَرَمينِ لوْ أبصرْتَنا

لَعلمْتَ أنّك في العبادةِ تَلْعبُ

مَنْ كان يَخْضِبُ خدَّهُ بدموعِهِ

فَنُحُورُنا بِدِمَائِنا تَتَخَضَّبُ

أو كان يُتْعِبُ خيلَهُ في باطلٍ

فخيولُنا يومَ الصَّبِيْحَةِ تَتْعبُ

رِيْحُ العَبِيْرِ لكمْ ونحنُ عبيرُنا

رَهْجُ السَّنابكِ والغبارُ الأطْيبُ

ولقد أتانا مِنْ مَقالِ نبيِّنا

قَوْلٌ صحيحٌ صادقٌ لا يُكْذَبُ

لا يَسْتَوِي وغُبارُ خَيْلِ اللهِ في

أَنْفِ امرئٍ ودُخَانُ نارٍ تَلْهَبُ

هذا كتابُ اللهِ ينطِقُ بَيْنَنا

ليس الشَّهيدُ بميِّتٍ لا يُكْذَبُ

نسأل الله تعالى أن يتقبل من كلا الفريقين جهادهم، وكما عاد الحجّاج بذنب مغفور وسعي مشكور، أن تكون عاقبة جهاد أهل غزة النصر والتمكين.

X : @abdulaziz2002


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد