هل أصبح العالمُ بلا روحانيَّةٍ؟ سؤالٌ لا يُطرح بوصفِهِ ترفًا فكريًّا، بل كقلقٍ إنسانيٍّ عميقٍ في زمنٍ تتكاثرُ فيه الحروبُ، وتضيقُ فيه مساحةُ الرَّحمةِ. فمنذُ اندلاعِ الحربِ الأخيرةِ في الشَّرقِ الأوسطِ، بدا وكأنَّ شيئًا جوهريًّا يتصدَّعُ في الضَّميرِ العالميِّ، لا في الخرائطِ وحدَها. فالمسألةُ لم تَعُد نزاعًا سياسيًّا محدودًا، بل اختبارًا أخلاقيًّا واسعًا: هل ما زال الإنسانُ غايةً للوجودِ الدُّوليِّ، أم أصبح وسيلةً في معادلاتِ القوَّةِ والمصالحِ؟
ليست هذه المنطقةُ غريبةً عن الصِّراعاتِ. فمن إرثِ الإمبراطوريَّةِ العثمانيَّةِ إلى حقبِ الاستعمارِ والانتدابِ، عاشت شعوبُها تحوُّلاتٍ كبرى صنعت تاريخَها الحديثَ. لكنَّ ما يجري اليومَ يتجاوزُ الإطارَ المحليَّ، إذ تتداخلُ فيه الاعتباراتُ الإقليميَّةُ مع الحساباتِ العالميَّةِ. فأيُّ اضطرابٍ في ممرّاتِ الطَّاقةِ أو التِّجارةِ، ولا سيَّما في مضيقِ هرمز، ينعكسُ مباشرةً على الاقتصادِ الدُّوليِّ وأسعارِ السِّلعِ، وكأنَّ مصيرَ الإنسانِ يُقاسُ بمدى تأثيرِه في الأسواقِ.
في خضمِّ هذه المعادلاتِ، تتقدَّمُ لغةُ الأرقامِ على لغةِ القِيَمِ، وتتحوَّلُ المآسي الإنسانيَّةُ إلى عناوينَ سريعةٍ في نشراتِ الأخبارِ. وحين تُناقَشُ آثارُ الحربِ على النُّموِّ أو الإمداداتِ، يتراجعُ الحديثُ عن الأطفالِ الذين فقدوا بيوتَهم، وعن العائلاتِ التي نزحت قسرًا. هنا يبرزُ السُّؤالُ المؤلمُ: كيف أصبح موتُ الإنسانِ تفصيلًا عابرًا، بينما يحتلُّ أثرُه الاقتصاديُّ الصَّدارةَ؟
لقد تأسَّسَت الأممُ المتَّحدةُ بعد حربَين عالميَّتَين على وعدٍ بحمايةِ السِّلمِ وصونِ الكرامةِ الإنسانيَّةِ. غيرَ أنَّ الواقعَ الرَّاهنَ يضعُ هذا الوعدَ أمام امتحانٍ عسيرٍ، حين تتقدَّمُ الحساباتُ الاستراتيجيَّةُ على الاعتباراتِ الأخلاقيَّةِ. فالمعادلةُ الدُّوليَّةُ، مهما بلغت دقَّتُها، تفقدُ معناها إذا أُقصي الإنسانُ من مركزِها.
الرُّوحانيَّةُ التي نتحدَّثُ عنها لا تعني انتماءً طقوسيًّا، بل تعني ذلك الحسَّ الأخلاقيَّ الذي يجعلُ الإنسانَ يرى في الآخرِ شريكًا في الوجودِ لا خصمًا دائمًا. إنَّها القدرةُ على التَّعاطفِ خارجَ الحدودِ، وعلى الاعترافِ بأنَّ الألمَ لا يملكُ هويَّةً واحدةً. وحين تُستهدَفُ مناطقُ مدنيَّةٌ، أو يسقطُ ضحايا من الأبرياءِ، فإنَّ السُّؤالَ لا يكونُ عن الانتصارِ العسكريِّ، بل عن موقعِ الضَّميرِ في هذا المشهدِ.
المأساةُ ليست محصورةً في الشَّرقِ الأوسطِ وحدَه. فالحروبُ والنِّزاعاتُ تمتدُّ في أكثرَ من قارَّةٍ، من أوروبا إلى إفريقيا، حيث تتكرَّرُ مشاهدُ الدَّمارِ والنُّزوحِ. والألمُ، أينما وقعَ، يبقى ألمًا إنسانيًّا واحدًا، حتى لو اختلفت أسبابُه وسياقاتُه. إنَّ العالمَ اليومَ مترابطٌ اقتصاديًّا وإعلاميًّا، ما يجعلُ أيَّ صراعٍ إقليميٍّ يحملُ أصداءً عالميَّةً.
في العصرِ الرَّقميِّ، ازدادت سرعةُ تداولِ الصُّورِ والمشاهدِ، وأصبح الحدثُ يُستهلكُ لحظيًّا. تنتشرُ اللقطاتُ المؤثِّرةُ خلال دقائقَ، لكنَّها سرعانَ ما تُستبدَلُ بغيرِها، في دورةٍ متسارعةٍ من الانتباهِ والنِّسيانِ. هذه السُّرعةُ قد تُعزِّزُ الوعيَ، لكنَّها قد تُضعفُ أيضًا حساسيَّةَ المتلقِّي، حين يتحوَّلُ الألمُ إلى مادَّةٍ عابرةٍ في فضاءٍ مزدحمٍ بالمحتوى.
ومع ذلك، لا يمكنُ القولُ إنَّ العالمَ فقد روحانيَّتَه بالكاملِ. فإلى جانبِ مشاهدِ العنفِ، تظهرُ مبادراتٌ إنسانيَّةٌ عابرةٌ للحدودِ، وأصواتٌ مدنيَّةٌ تطالبُ بحمايةِ المدنيِّين، وجهودُ إغاثةٍ تسعى للتَّخفيفِ من المعاناةِ. هذه الومضاتُ، وإن بدت محدودةً، تؤكِّدُ أنَّ الحسَّ الإنسانيَّ لم يمتْ، بل يحتاجُ إلى مساحةٍ أوسعَ كي يتجلَّى.
إنَّ أيَّ توتُّرٍ في الخليجِ العربيِّ لا يبقى محليًّا، بل يمتدُّ أثرُه إلى الاقتصادِ العالميِّ، نظرًا لأهميَّةِ المنطقةِ في مساراتِ الطَّاقةِ والتِّجارةِ. وهكذا تتداخلُ السِّياسةُ بالأمنِ والاقتصادِ، في شبكةٍ معقَّدةٍ تجعلُ قرارًا واحدًا قادرًا على التَّأثيرِ في حياةِ ملايينِ البشرِ حول العالمِ.
لكنَّ الخطرَ الحقيقيَّ لا يكمنُ فقط في الدَّمارِ المادِّيِّ، بل في تآكلِ المعاييرِ الأخلاقيَّةِ التي تنظِّمُ سلوكَ الدُّولِ. حين يصبحُ العنفُ لغةً مألوفةً، ويتحوَّلُ الاستثناءُ إلى قاعدةٍ، يتراجعُ الإحساسُ بالمسؤوليَّةِ المشتركةِ. وفي هذه اللَّحظةِ تحديدًا، تُختبَرُ روحُ العالمِ: هل ما زال يؤمنُ بكرامةِ الإنسانِ، أم اكتفى بإدارةِ أزماته دون معالجةِ جذورِها؟
ربَّما لم يصبحِ العالمُ بلا روحانيَّةٍ تمامًا، لكنَّه يمرُّ بمرحلةِ ضعفٍ أخلاقيٍّ تحتاجُ إلى مراجعةٍ. فالرُّوحانيَّةُ ليست ترفًا ثقافيًّا، بل شرطًا لاستمرارِ التَّعايشِ بين الشُّعوبِ. وإذا استمرَّت الحروبُ في تحويلِ الإنسانِ إلى أداةٍ في صراعاتٍ لا تنتهي، فإنَّ الخسارةَ لن تكونَ سياسيَّةً فحسب، بل إنسانيَّةً شاملةً.
إنَّ استعادةَ التَّوازنِ بين القوَّةِ والقِيَمِ ليست مهمَّةً سهلةً، لكنَّها ضرورةٌ. فالعالمُ الذي نشأ بعد الحروبِ الكبرى بُني على فكرةِ أنَّ السَّلامَ لا يتحقَّقُ بالقوَّةِ وحدَها، بل بإطارٍ قانونيٍّ وأخلاقيٍّ يحمي الجميعَ. وإذا أُهملت هذه الفكرةُ، فإنَّ الاستقرارَ سيبقى هشًّا، مهما بلغت قدراتُ الرَّدعِ.
في النِّهايةِ، يبقى السُّؤالُ مفتوحًا: هل يستطيعُ المجتمعُ الدُّوليُّ أن يعيدَ للإنسانِ مكانتَه في قلبِ القراراتِ الكبرى؟ أم سيستمرُّ في إدارةِ الأزماتِ دون معالجةِ جذورِها الأخلاقيَّةِ؟ إنَّ الإجابةَ عن هذا السُّؤالِ ستحدِّدُ ليس فقط مستقبلَ المنطقةِ، بل مستقبلَ الرُّوحِ الإنسانيَّةِ نفسِها.


