سؤال كيف نفتخر؟ ليس اعتراضاً على اللغة، بل على الفجوة بين الشعار والممارسة، وحين نرى بعض الجامعات تقلّص كليات الآداب، أو تجمّد القبول في أقسام اللغة العربية بحجة مواءمة سوق العمل، يصبح الافتخار باللسان العربي خطاباً رمزياً أكثر منه مشروعاً مؤسسياً.
اللغة العربية في الوعي الجمعي ليست مجرد مادة دراسية، بل وعاء هوية، وأداة تشكّل المعنى، ومرآة السيادة الثقافية، لكن في الوعي الإداري الحديث تُختزل أحياناً إلى تخصص منخفض الطلب أو مخرجات محدودة التوظيف، هنا يبدأ التوتر بين رؤية تعد اللغة أصلاً حضارياً، ورؤية تختبرها بمعيار الربح السريع.
الجامعات حين تقلّص أقسام العربية لا تفعل ذلك بدافع عداء للغة، بل استجابةً لضغوط تصنيف، ومؤشرات أداء، ومطالب سوق يرفع شعار التقنية والذكاء الاصطناعي وريادة الأعمال، غير أن السؤال الأعمق: هل السوق كيان ثابت أم أنه يُصنع بالسياسات؟ وهل وظيفة الجامعة أن تتبع السوق فقط، أم أن تُعيد تشكيله؟
اللغة العربية ليست عبئاً على التنمية، بل هي شرطها الرمزي والمعرفي، من دونها لا تُبنى هوية خطاب وطني متماسك، ولا يُصاغ إعلام مؤثر، ولا تُنتج سياحة برؤية جذابة، ولا يُدار تفاوض دبلوماسي بلغة دقيقة. البلاغة ليست ترفاً، بل هي جوهر الإقناع في الإعلان، والقضاء، والسياسة، وخدمة العملاء. وحين تُقصى العربية من المشهد الجامعي، فنحن لا نقلّص تخصصاً فحسب، بل نقلّص أدوات التفكير النقدي والتحليل الخطابي وصناعة المعنى.
المفارقة أن الدولة تتبنّى سياسات لتعزيز حضور اللغة في الفضاء العام، وتؤكد على كونها ركيزة هوية وأمن ثقافي، بينما بعض الجامعات تسير في اتجاه معاكس تحت ضغط العائد الوظيفي. وكأننا نُعلن الاعتزاز في المنصات، ونمارس الانكماش في القاعات الدراسية.
الافتخار الحقيقي لا يكون بعبارة على ملصق، بل بقرار قبول في قسم، وبمنحة بحثية في البلاغة الرقمية، وبكرسي علمي في تحليل الخطاب، وبربط أقسام العربية بمشروعات وطنية في الإعلام والسياحة والثقافة. المشكلة ليست في وجود كلية الآداب، بل في عزلها عن التحولات الجديدة. لو أُعيد تصميم برامج اللغة العربية لتدخل بقوة في مجالات المحتوى الرقمي، وصناعة السرد الوطني، وتحليل الخطاب السياسي، والتواصل المؤسسي، لتغيّر تصور السوق نفسه.
أين الافتخار إذن؟ يكون الافتخار حين ندرك أن اللغة ليست ماضياً نحافظ عليه، بل أداة مستقبل نصوغه، يكون حين تتعامل الجامعة مع العربية بوصفها تخصصاً عابراً للتخصصات، لا حقلاً منغلقاً على ذاته، يكون حين يُنظر إلى خريج العربية كخبير في صناعة المعنى، لا مجرد معلم محتمل.
اللغة التي حملت القرآن، ودوّنت الفلسفة، وصاغت التاريخ، قادرة أن تحمل الذكاء الاصطناعي أيضاً، إن أحسنا توظيفها. لكن إن ظللنا نقيسها بمعايير ضيقة، فسنبقى نردّد نفتخر بلغتنا بينما نغلق أبوابها في جامعاتنا.
الافتخار ليس شعاراً بل سياسة قبول، وتمويل بحث، ورؤية أكاديمية شجاعة، وإذا لم تتحول الكلمات إلى قرارات، فسيظل السؤال مشروعاً: كيف نفتخر؟


