إيلاف من مراكش: ينظم رواق "كومبتوار دي مين" في مراكش،حتى 15 يوليو المقبل، معرضا لعدد من أعمال الفنان التشكيلي عباس صلادي (1940 - 1992)، الذي يُعد علامة بارزة وفريدة في تاريخ الفن المغربي، وابنا للمدينة الحمراء التي نجح في التقاط جوهرها الروحي وتجسيده بدقة متناهية.
وتقول إدارة الرواق إن هذا المعرض، الذي يحمل عنوان "عباس صلادي: الأوديسة الصوفية"، كان يبدو مستحيل التحقيق؛ نظراً للنقاشات الطويلة والمعقدة التي خاضتها مع مختلف حائزي أعمال الفنان، بهدف جمع مجموعة وازنة تتيح اليوم إعادة اكتشاف صلادي.
.jpeg)
فنان مرهف
كتب هشام داودي، في مقدمة "كاتالوغ" المعرض، الذي جرى حفل افتتاحه اخيرا : "ثمة أعمال فنية لا تقبل التفسير؛ بل تفرض وجودها، وتخترق الوجدان، وتربك أحياناً، تاركةً وراءها بصمة يصعب تسميتها".
وأشار الداودي إلى أن عمل صلادي ينتمي إلى هذه الفئة النادرة: "فئة اللغات النابعة من ضرورة داخلية ملحة، والتي تستعصي على التصنيفات المعتادة".
وتحدث الداودي عن صلادي، وقال إنه "عاش، كفنان مرهف الحس إلى أبعد الحدود، ومهمش في بعض الأحيان، حالات من الهشاشة جعلت عمله لفترة طويلة على هامش السرديات السائدة". ورأى أن "لوحاته لم تولد من مشروع جمالي بالمفهوم الكلاسيكي، بل نبعت من حالة طوارئ قصوى"، بحيث "فرضت نفسها أولاً كإيماءة حيوية، وشبه علاجية؛ كوسيلة لاحتواء التوترات الداخلية وتنظيمها وجعلها مرئية، وهي توترات عجزت اللغة عن استيعابها". وقد تجسدت هذه الضرورة بشكل كامل، يضيف الداودي،عند عودة صلادي إلى مراكش، التي يبدو أنها منحته، من خلال إيقاعاتها، وعوالمها الخيالية، وطبقاتها المرئية وغير المرئية، ركيزة حاسمة؛ فالتقط هناك شيئاً جوهرياً: "كثافة في العالم، صوفية وشعبية في آن واحد، غدّت مفرداته التشكيلية وهيكلتها تدريجياً".
.jpeg)
تحت الاختبار
لاحظ الداودي أن أعمال صلادي، التي تعج بالأشكال الهجينة والتكرارات العضوية والتكوينات المشبعة، "لا تصف عالماً ما، بل تقدم تجربة عنه. فالأذن والعين تُستفزّان هناك، وتُربكان، وتوضعان تحت الاختبار؛ حيث يظن المرء أنه يتعرف على الشكل، ثم ما تلبث الصورة أن تتوارى؛ يحاول الفهم، لكن المعنى لا يكون يقيناً أبداً".
بالنسبة للداودي، فصلادي يغير القواعد ولا يستجيب لصورة قائمة، هو الذي "تتحول لوحاته إلى أسطح نشطة، وحقول غير مستقرة يسقط عليها كل مشاهد أشكاله وقصصه الخاصة؛ وقد كفّ العمل الفني هنا عن كونِهِ مجرد "موضوع" ليصبح "آلية تشغيلية". إنه لا يكتفي بأن يُنظر إليه، بل ينظر إليك في المقابل. إنه يشرك، ويورط، ويحول المشاهد إلى فاعل في إدراكه الخاص".
إن ما يولد عند صلادي من علاقة حميمية مع حالاته الخاصة، يضيف الداودي، لا يندرج أبداً تحت باب "الاعتراف" أو البوح،مادام أن "الرسم هنا ليس متنفساً أو تفريغاً شحنياً، بل هو عملية تحويلية. إنه ينظم الكثافة، ويهيكل الفوضى، ويبني، عملاً تلو الآخر، علم كون فريداً يجد فيه غير المرئي شكلاً وتجسيداً، دون أن يسمح لنفسه بالاختزال قط".
.jpeg)
دلالة خاصة
شدد الداودي على أن تقديم معرض صلادي في رواق "كونتواردي مين" يحمل "دلالة خاصة"؛ فهو "يمثل عودة أعمال الفنان إلى مدينته، حيث تشكلت نظرته، وحيث استطاع أن يلتقط جزءاً أساسياً من الروح. وليست هذه العودة جغرافية فحسب، بل هي عودة رمزية تعيد إدراج صلادي في مجاله، وفي تاريخ وذاكرة ينتميان إليه تماماً".
وأضاف الداودي أن "الملحمة الصوفية المقترحة هنا ليست مساراً خطياً، بل هي عبور؛ انغماس في كون تتأرجح فيه المعالم، وتتداخل فيه الأشكال، وتُستثار فيه العين باستمرار. إنها دعوة، في نهاية المطاف، لاختبار تجربة لوحة لا تكتفي بتمثيل العالم، بل تؤثر فيمن يلتقي بها".

عمى الجمال
مما نقرأ للكاتب والشاعر عبد الله زريقة، في "كاتالوغ" المعرض، تحت عنوان "عمى الجمال"، أن "صلادي ليس ذلك الرسام الفطري والساذج كما قد يعتقد البعض". وأضاف موضحا: "هو "مُستنير"، نعم، بالمعنى الصوفي للكلمة. درس الفلسفة، وولج عالم الرسم من بوابه رسم الأجساد العارية، دون أن يفكر يوماً في عرضها. لم يقتنِ كتاباً قط، ونادراً جداً ما قرأ جريدة. كان يرسم، وكفى. لم يكن يهمه أي شيء آخر، لا إقامة المعارض ولا ما سيُكتب أو يُقال عنه. لقد عاش طوال وجوده في جلباب أعماله. وإذا كان يلوذ بالصمت، فذلك لأن ضجيجاً مرعباً كان ينفجر في رأسه، كما لو أنه أُصيب بذعر شديد أمام حشد هائل، دون أن يجد أدنى مخرج ينفذ منه دون أن يُلمح أو يُزاحَم. في تلك اللحظة بالذات، يصل صلادي إلى مرتبة "العمى"، مستبصراً كل ما سيرسمه في الأيام التالية".
وأضاف زريقة: "مع كل خط يخطّه، يبدأ حواراً أو بالأحرى سجالاً وشجاراً معه. لكنه إذا نجح في إدخال هذا الخط في فضاء اللوحة، فلكي يزينه بعناية فائقة. كل ما يرسمه صلادي يمر عبر "يوم القيامة" الرهيب هذا. وتبدأ موازينه في تحديد مصير كل شيء: شخصيات تتحول إلى مسوخ، امرأة تصبح طائراً، أو رأس ينتهي به المطاف ليصير قبة".
ولكن قبل أن تتحول هذه الشخصيات، يقول زريقة، فإنها "تنتزع نفسها انتزاعاً من رأس صلادي". فـ"اللوحة بكاملها تُرسم أمام عينيه؛ يستمع إلى أصواتها ويشم روائحها". و"في تلك اللحظة بالذات، يغرق في "عمى الجمال". كل ما يراه من "شر" ينقلب جميلاً وفانتازياً، وكل ما رآه من قبل يصبح مطلقاً: إنه يخاطب الوجود بأسره. بين لوحة وأخرى، يتيه أحياناً بعيداً عن نفسه. لكنه حين يعود، يكتشف شيئاً فشيئاً عالماً كاملاً مغطى بالعيون، فيضع بينه وبين الآخرين حُجُباً عديدة ليتمكن من الرسم بكل جوارحه وجماله. لقد عاش في عزلة بمتعة غامرة، ولم يكن تعيساً كما تحاول "الضمائر الشقية" أن تصوره".
عاش مرتين
أشار زريقة إلى أن صلادي "عشق الحياة إلى حد الرعب منها؛وقضى عمره يحكي الوجود المرئي و"يعلق" عليه. كان يعلق عليه كما يعلق على لوحة، أو كما يقرأ كتاباً، ولكن بلغته الخاصة. لم يكن العالم في نظره مجدياً إلا لكي يُحكى ويُغمر بالروائع؛ ولهذا السبب أمضى وقته المجنون في تزيينه بصبر الناسكين. صلادي هو "صانع كوني" أنجب رؤوساً أخرى، وأجساداً أخرى، وحيوات أخرى لم يشهدها الوجود من قبل؛ عالمٌ آخر لهذا العالم. لم يكتفِ برسم الشخصيات، بل قاسمها الخبز والملح، وعاش حقاً عالَمه الآخر. كان الإبداع عنده لا ينفصل عن الوجود. فكبر عالمه الآخر في داخله إلى حد أنه أخذ مكان العالم الذي عاش فيه حتى ذلك الحين. قضى حياته يغدو ويروح بين هذين الكونين؛ في عبادة وفناء، وفي آلام العالم الثاني، دون أن ينكر العالم الأول. كان بحاجة إلى موازنة مطلق العالم الثاني وجماله المرعب، مع نسبية العالم الأول وإفراطه في الواقعية. ومن وقت لآخر، كان يحب أن يحكي لأصدقائه عن عالمه الآخر؛ كمن يسعى لتأكيده وتبسيطه للناس، وليذيقهم من ثمار مطلقه".
يخلص زريقة إلى أن صلادي عاش كثيراً، مرتين على الأقل:"مات في جسده الفاني، ليبقى المطلق الذي كان يحمله في داخله روائع خالدة، ولتستمر أعماله من بعده في سرد وتجسيد آلاف وآلاف الحيوات".
إرث صلادي
يقترح المعرض أعمالا قادمة من مجموعات فنية مرموقة، تسعى من خلالها إدارة الرواق إلى إعادة رسم المحطات الرئيسية في مسيرة هذا الفنان. كما سيعرض الرواق إحدى بواكير أعماله الفنية التي أنجزها في حدود عام 1977.
ويدعو الرواق الجمهور إلى قراءة جديدة وجوهرية لإرث صلادي؛ الذي هو "إرث استشرافي لا يكتفي بوصف العالم، بل يبتكر ضرورته الوجودية". يتعلق الأمر، هنا، بحسب إدارة الرواق، بفنان "وُلد فنه من رحم هشاشة عميقة، واختبر الصراع الداخلي والعزلة، ليفرض نفسه أولاً كمساحة للنجاة والبقاء قبل أن يتحول إلى لغة تعبيرية". فنان، "في أعماله، يصبح المرئي مَعبرًا، وتتحول النظرة إلى تجربة حية".
وفي عالم بات مشبعاً بالصور المُصنَّعة والمعاد تركيبها، يحتفظ إرث صلادي، بحسب إدارة الرواق، بقوة فريدة، حيث تتحول الهشاشة إلى لغة، وتستعيد الصورة عمقها الروحي.
ويمثل هذا المعرض، بحسب منظميه، "تحية إجلال وتقدير للجامعين، وأصحاب الأروقة الفنية، والمؤسسات التي ساهمت مبكراً في الحفاظ على أعمال هذا الفنان العظيم ونقلها للأجيال".
قيمة صلادي
وصلادي هو واحد من أبرز الفنانين التشكيليين المغاربة، ترك منجزاً فنياً فريداً من ناحية المضمون والشخصية وطريقة الرسم؛ فنان عاش الفقر والحاجة وعانى من المرض، قبل أن تحقق أعماله، بعد وفاته، أرقاماً قياسية وغير مسبوقة في "سوق الفن" بالمغرب، ومن ذلك أن لوحته "الهدية" بيعت في مزاد علني قبل 8 سنوات بنصف مليون دولار.
وتكاد تجربة صلادي، في الحياة والفن، تشبه تجارب عدد من الفنانين التشكيليين المشهورين، عبر العالم، والذين عانوا، بدورهم، من المرض والإهمال وعدم التقدير والاعتراف، قيد حياتهم، قبل أن ينالوا التقدير والشهرة بعد رحيلهم.
سيرة صلادي
وُلد صلادي بمراكش سنة 1950 قرب زاوية الولي سيدي بلعباس الذي سُمي على اسمه. تُوفي سنة 1992، تاركاً وراءه إنتاجاً فنياً غنياً بقدر ما هو استثنائي، جاء ثمرة 15 سنة من الحياة الإبداعية المتواصلة والمتفانية.
منذ صغره، بدأ يرسم بالفحم أو الطباشير، على جدران زاوية سيدي بلعباس. كان رساماً عصامياً، واضطر إلى الانقطاع عن مساره الأكاديمي في شعبة الفلسفة سنة 1977، عند ظهور نوبات الذهان التي عانى منها طيلة حياته. عاد الفنان الشاب إلى مسقط رأسه واتجه إلى الرسم للتعبير عن هواجسه الداخلية.
وبصفته فناناً دقيقاً يتمتع ببراعة كبيرة في اختيار الألوان وتناغم تفاصيل تركيباته، لم يمارس صلادي الرسم بالزيت أو الأكريليك، اللذين يظلان الأكثر استخداماً من قبل معاصريه.
في بداية مشواره الفني، كان صلادي يرسم بقلم الحبر أو الرصاص، باستخدام كل ما يقع في متناول يده، على ورق كان يلصقه أحياناً على ألواح خشبية. لم يلجأ الفنان إلى استخدام الألوان المائية إلا في وقت متأخر، في لوحات بأحجام صغيرة أو حتى صغيرة جداً مع بعض الاستثناءات النادرة.
آراء النقاد
يجمع النقاد والمهتمون بتاريخ الممارسة التشكيلية في المغرب على قيمة صلادي وتفرد تجربته.
مما كتب الفنان والناقد التشكيلي المغربي إبراهيم الحَيْسن، عن تجربة هذا الفنان في أبعادها الغرائبية، مشدداً على أن الحوار البصري الحكائي في لوحاته، يتأسس من خلال "العلاقة الأنطولوجية القائمة بين الإنسان والحيوان، وبين عوالم الفنان الفانتاستيكية الملأى بحمولتها الثقافية والقائمة على الغرابة والتفرُّد"، مشكّلة في غرائبيتها "مقامات باطنية مشحونة بالقلق والاضطراب". ولذلك ظلت لوحات صلادي، يضيف الحَيْسن، تثير "دهشة الناس بفعل الطابع الغرائبي، الذي يَسِمُهَا، فهي تمنحهم الحق في الحلم وخلخلة خيالاتهم، بتكويناتها ونماذجها المرسومة على نحو خارق، مدهش للحواس ومخالف لما هو طبيعي وواقعي، ويصعب اعتماد العقل في فهمها وتفسيرها".


