كانت كارثة «حرب إسناد غزة» في أوجها، عندما أطل الإعلام الحربي لـ«حزب الله» يوم 16 أغسطس (آب) 2024 بحملة دعائية عنوانها: «جبالنا خزائننا»، تضمنت فيديو عن منشأة «عماد4» العسكرية الحصينة تحت الأرض. أنفاق عميقة محفورة تحت الجبال، تتسع لشاحنات كبيرة تحمل راجمات صواريخ ثقيلة، بدا معها «مترو غزة» حالة بدائية أمام مدينة حربية تضم مركز قيادة وتحكم، وتستقبل أعداداً كبيرة من المقاتلين والتجهيزات لمواجهة طويلة. وفي سياق الترويج، قيل إنَّ «اللافت في الأمر هو حجم المنشأة، ومداها تحت الأرض، وما تحمله من رسائل إلى العدو الإسرائيلي بأن (المقاومة) جاهزة لكل الاحتمالات».
تَبين مؤخراً أن موقع «عماد4» يقع في عمق «تَلَّة علي الطاهر» التي أدرجها النائب حسن فضل الله ضمن ثلاثي المواجهة الإيرانية: مضيق هرمز، وباب المندب، و«علي الطاهر (...)»! وسَوّق لها الإعلام الحربي بأنها من العناوين البارزة لمواجهة العدو وحماية المدن والبلدات التي تشرف عليها. لكن مدينة الأنفاق باتت بين فَكَّي كماشة العدو الإسرائيلي: يسيطر عليها بالنار، واكتشف مداخلها، ويحاصر مقاتلين داخلها، ويهدد بتفجيرها. فترد طهران بأنها لن تسمح بسقوط هذا الموقع وبأنها ستنخرط في الدفاع عنه؛ مما عزز معطيات مفادها بأن ضباطاً من «الحرس الثوري» الإيراني بين المحاصَرين، ليؤكد الأمرَ إعلانُ رئيس مجلس الشورى الإيراني، محمد باقر قاليباف، أنه «يتواصل مع المقاتلين في الخطوط الأمامية بلبنان». فبات واقع الحال أن مدينة الأنفاق هذه؛ بعتادها ومقاتليها، تحتمي بالبلدات المجاورة، وقد تكون سبب استكمال دمار الزَّوطرَين؛ الشرقية والغربية، ويحمر وأرنون وكفرتبنيت وميفدون ومدينة النبطية!
قديمةٌ قصةُ مدن الأنفاق... قصةُ إيجاد «جنوب» آخر تحت الجنوب تندرج في سياق المشروع الإيراني «من قزوين إلى المتوسط». كانت البداية الفعلية بعد حرب يوليو (تموز) 2006... يومها أغدق أشقاء لبنان وأصدقاؤه الدعم لإعادة إعمار ما هدمته الحرب، فتولت الحكومة تأهيل البنى التحتية. وإلى المؤتمر الصحافي لشكر الدول المانحة؛ وفي المقدمة دول الخليج، انضم رئيس البرلمان، نبيه بري، إلى الرئيس فؤاد السنيورة، ليطلق على الحكومة تسمية «حكومة المقاومة السياسية»... لكن عدم تسليم أموال إعادة الإعمار إلى «حزب الله» و«الثنائي الشيعي»، حوّل الحكومة إلى «حكومة فيلتمان» (السفير الأميركي)!، فنظّم «الحزبُ»، وسط مناخٍ انتصاري زائف، عمليةَ جباية الأموال التي تسلمها «المتضرر»، وأَطلقت «جهادُ البناء»؛ واجهةُ «فيلق القدس»، مرحلةَ بناء مدن الصواريخ والمسيّرات من الجنوب إلى الضاحية ومناطق من شرق لبنان.
في عام 2008 اجتاح «حزب الله» بيروت وسفك دماء الأبرياء لإسقاط القرار الحكومي بمنع «الحزب» من استخدام أنفاق شبكة الهاتف لمد شبكة اتصالات سلكية خاصة به، وأطلق نصر الله تسمية «اليوم المجيد» على ذاك «اليوم الكارثي»، كاشفاً عن أن «السلاح للدفاع عن السلاح». وفي 4 ديسمبر (كانون الأول) 2018، أعلنت إسرائيل عن اكتشاف أنفاق تعبر إلى الجليل بدءاً من بلدة كفركلا الحدودية. وأطلقت تل أبيب حملة «درع الشمال» لإقفال أنفاق بلغ تعدادها 6 كانت تجاوزت الخط الأزرق. وقال الجيش الإسرائيلي إن هدف الأنفاق «تمكين آلاف من (حزب الله) من شنِّ هجوم على أهداف عسكرية ومدنية في شمال إسرائيل»... وحمّلت حكومة لبنان وقوات الـ«يونيفيل» المسؤولية. ومر الأمر ببساطة زمن رئاسة ميشال عون!
بعد الزج بلبنان قسراً في «حرب الإسناد» الأولى، بدأ الجيشُ الإسرائيلي، الذي وضع لبنان تحت وطأة عقاب جماعي، مخططَ إنهاء ما عدّها «دولة تحت الأرض» تابعةً لـ«الحرس الثوري»... ولئن كان دَمّر أنفاقاً في الضاحية الجنوبية هي مراكز قيادة وتحكم رئيسية، قتل داخلها حسن نصر الله وخليفته هاشم صفي الدين ومعهما قيادات من «فيلق القدس»، فقد وضع بعد بعد ذلك أنفاق الجنوب تحت المجهر.
تدمير «نفق الخيام» قضى على أحياء، وتدمير «نفق مجدل زون» شَطَرَ البلدة نصفين، في حين أن تدمير «أنفاق القنطرة» بطول اثنين من الكيلومترات مع عشرات الغرف والفتحات العملياتية لإطلاق الصواريخ والمسيّرات أحدث فجوة زلزالية، وتبدلت معالم المنطقة الصخرية بعد تفجير الأنفاق في محيط قلعة الشقيف. ويشدد العدو الإسرائيلي الخناق على «أنفاق تلة علي الطاهر»، وعشرات البلدات تحت المجهر؛ تفجيراً وتجريفاً، وينفذ ما يدّعي أنها عمليات «جراحية»، كما في منطقتي أنصار ودير الزهراني مؤخراً، فيفضح إعادة التموضع بين المدنيين، ويحوّل زمنَ الاحتلال سلاحاً لاستكمال الإبادة.
السؤال الكبير: أين كانت السلطات المتعاقبة وعيونها الأمنية، خصوصاً بعد عام 2006؟ ولماذا سلّمت بتحويل الجنوب والضاحية كانتوناً مستباحاً لإقامة بنى عسكرية تحت وسادات الأطفال والنساء والشيوخ؛ خدمة لمشروع هيمنة إقليمية؟ ومَن المسؤول عن شلّ دور قوات الـ«يونيفيل» ومحاصرتها بتعدياتٍ منظمةٍ يقوم بها «الأهالي»، وفق الصيغة التي راجت خصوصاً بعد عام 2017 في ظل ولاية ميشال عون؟ الأمر الأشد إيلاماً أن اللبنانيين الموجوعين دفعوا الجزء الأكبر من تكلفة مدن الصواريخ عبر ضرائب جائرة، والحصيلة اليوم تتمثل في وجود مئات الآلاف من المقتلَعين المتروكين في العراء لمصيرهم.
«جنوب» تحت الجنوب... ومدن الصواريخ ينبغي أن تكون مدار التحقيق الجنائي الأبرز للكشف عن مسؤولية جعل المواطنين أكياس رمل للدفاع عن سلاح تسبب في ترميد الجنوب وتدمير لبنان.

