حين تشتعل المنطقة من حول مصر، لا يعود السؤال متعلقاً بما يحدث على الحدود فحسب، بل بما يحدث في الداخل أيضاً؛ كيف تحافظ الدولة على قدرتها على الحركة؟ وكيف يحافظ المجتمع على تماسكه، بينما تتزايد الضغوط من الخارج؟مصر تقع في قلب إقليم مضطرب، شرقها غزة والبحر الأحمر، وجنوبها السودان والقرن الأفريقي، وغربها ليبيا، وحولها أزمات تتداخل فيها الحسابات الأمنية والسياسية والاقتصادية... وهذه ليست أزمات بعيدة. اضطراب البحر الأحمر قدم مثالاً واضحاً: تراجع حركة السفن عبر قناة السويس انعكس مباشرة على أحد أهم مصادر النقد الأجنبي لمصر، حتى تحدث الرئيس عبد الفتاح السيسي أخيراً عن 20 مليار دولار خسائر قناة السويس بسبب تداعيات اضطراب الملاحة. وحرب السودان لم تبقَ حرباً داخل دولة مجاورة، بل تحولت الحدود الجنوبية إلى مساحة أمنية وإنسانية شديدة الحساسية، مع تدفق أعداد كبيرة من السودانيين إلى مصر منذ اندلاع الحرب في 2023. أما اضطرابات سوق الطاقة الإقليمية، فقد أظهرت بدورها مدى سرعة انتقال الأزمة إلى الداخل؛ فتعطّل الإمدادات وضع ضغوطاً إضافية على منظومة الطاقة المصرية.هذه الأمثلة تقول شيئاً بسيطاً ومهماً: الأزمة الإقليمية بالنسبة إلى مصر قد تتحول سريعاً إلى مسألة داخلية، قد تظهر في إيرادات قناة السويس، أو فاتورة الطاقة، أو حركة التجارة، أو أمن الحدود، أو تكلفة استيعاب موجات النزوح، أو في قدرة الدولة على توجيه مواردها بين الاحتياجات الداخلية ومتطلبات الأمن القومي.ولا يتوقف الأمر عند الجوار المباشر؛ فالصراعات الدولية تعيد تشكيل الأسواق وسلاسل الإمداد وأسعار الطاقة والغذاء، وكلها دوائر تصل في النهاية إلى الاقتصاد المصري والمواطن.من هنا تصبح الجبهة الداخلية جزءاً من الأمن القومي، ليس بمعناه العسكري وحده، وإنما باعتبارها قدرة الدولة والمجتمع على امتصاص الصدمات، وإدارة الضغوط، والحفاظ على قدرة الحركة. وهنا يأتي المجال العام؛ فكلّما تعقدت البيئة الإقليمية، زادت حاجة المواطن إلى تفسير واضح: ماذا يحدث في البحر الأحمر؟ كيف تؤثر حرب السودان؟ لماذا تتغير أسعار الطاقة أو السلع؟ وما الذي يمكن أن تفرضه التطورات الإقليمية على الاقتصاد والأمن المصريين؟هذه ليست أسئلة تشكيك، بل أسئلة مجتمع يريد أن يفهم؛ ولهذا تصبح قدرة الدولة على الشرح جزءاً من إدارة الأزمة، كما تصبح مهنية الإعلام شرطاً لفهمها، والمشكلة تبدأ عندما تُفصل الوقائع الداخلية عن سياقها، أو تتحول حادثة محدودة إلى دليل على انهيار شامل، أو يصبح الخطأ الفردي عنواناً على دولة بأكملها.هناك فرق بين كشف الخلل وتعميمه، وبين مساءلة الحكومة وهدم الثقة في الدولة. وهنا يبرز البعد الخارجي للمشهد الإعلامي؛ فخلال السنوات الماضية، ظهرت منصات تعمل من خارج مصر، بينها منصات ارتبط بعضها بتنظيم الإخوان الإرهابي أو تتبنى خطابه السياسي، وركزت بصورة مكثفة على الشأن المصري، وما يستحق النظر هو نمط بناء الرواية: واقعة تتحول إلى ظاهرة، وأزمة موقتة إلى مسار دائم، وخطأ حكومي إلى دليل على فشل شامل، ثم تنتقل الرواية بين المنصات والحسابات، فتتجاوز حدود الخبر إلى تشكيل تصور كامل عن الواقع، وهنا لا تعود القضية مجرد خلاف إعلامي، بل تصبح متعلقة بقدرة المجتمع على تمييز الخبر من التفسير، والواقعة من الرواية، والنقد من التحريض.وفي هذا السياق، يصبح التعامل مع المجال المعلوماتي جزءاً من حماية الجبهة الداخلية. لكن ذلك لا يعني تحويل كل نقد إلى مؤامرة، كما لا يعني، في المقابل، أن تكون حرية التعبير غطاءً للمعلومات الكاذبة المتعمدة أو التحريض أو التضليل.الدولة مطالبة بأن تقدم المعلومات وتفسر قراراتها وتصحح أخطاءها؛ والإعلام، غير المغرض، مطالب بأن يسأل ويتحقق ويفصل بين الخبر والرأي؛ والمجتمع مطالب بألا يجعل من كثرة تداول المعلومة دليلًا على صحتها؛ وذلك كله لا يلغي الخلاف السياسي، بل يحميه. فالمجتمع القوي ليس مجتمعاً بلا معارضة، والدولة القوية ليست دولة بلا نقد؛ والقوة في أن يبقى الاختلاف داخل مساحة تسمح بالمناقشة والمساءلة، من دون أن يتحول إلى استقطاب يفقد المجتمع قدرته على التعامل مع المخاطر الكبرى.الجبهة الداخلية ليست خطاً خلفياً ينتظر انتهاء المعركة، بل جزء من المعركة نفسها. وحين تشتعل المنطقة، لا يكون السؤال: من مع الحكومة ومن ضدها، بل: هل يستطيع المجتمع أن يختلف من دون أن يتفكك، وأن ينتقد من دون أن يضلل، وأن يقلق من دون أن ينهار تحت وطأة القلق، وأن يصمد في مواجعة آلة إعلامية محرضة وممولة وعقائدية لا تتوقف عن التحريض وبث الفتن وافتعال الأزمات ثم استثمارها؟فالمعركة قد تبدأ في غزة، وتصل إلى البحر الأحمر، وتظهر في إيرادات قناة السويس، وتنعكس على الطاقة والأسعار، وتفرض أعباء على الحدود، كما أن هناك من ينتظرها ليستغلها لتصل في النهاية إلى شاشة الهاتف.
حين تشتعل المنطقة... ماذا يفعل أهل الداخل؟
مواضيع ذات صلة

