: آخر تحديث

ماذا لو نجح مساعد الطيار؟

2
2
2

منذ أحداث 11 سبتمبر أنفق العالم مليارات الدولارات لمنع الإرهابي من الوصول إلى قمرة القيادة.. شدد التفتيش، وأغلق الأبواب، وراقب الحقائب والركاب، وغيّر قواعد أمن الطيران كلها.. لكن رحلة واحدة هبطت اضطراريًا في تبوك أعادتنا إلى المربع الأول الذي كنا نعتقد أننا تجاوزناه منذ زمن بعيد.

فمساعد الطيار، وفق ما تكشف حتى الآن، أعطى خلال سنوات إشارات كان يفترض أن تثير أكثر من علامة استفهام حول أهليته للوصول إلى قمرة قيادة طائرة ركاب؛ من مسيرته المهنية إلى اهتماماته وتوجهاته الفكرية، وصولًا إلى منعه سابقًا من الطيران وخضوعه -بحسب ما نقلته «وول ستريت جورنال»- لبرنامج لمكافحة التطرف.. ومع ذلك، وبطريقة يصعب تفسيرها، عاد الرجل إلى الطيران ووصل إلى واحدة من أكثر الوظائف حساسية في العالم؛ الوظيفة نفسها التي اعتقدنا بعد 11 سبتمبر أننا أبعدنا أمثاله عنها إلى أقصى حد ممكن.

وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل نحن أمام مجرد سلسلة مذهلة من الإخفاقات في تبادل المعلومات والتدقيق الأمني، أم أن هناك ما هو أبعد من ذلك؟ فحين تجتمع كل هذه المعطيات في شخص واحد، ثم ينتهي به الأمر -بحسب التحقيقات المعلنة- إلى محاولة إسقاط طائرة تقل أكثر من 170 إنسانًا، فمن الطبيعي أن تفتح الحادثة الباب أمام سيناريوهات وشكوك كثيرة.. فلو نجحت المحاولة، لكنا اليوم أمام جحيم جديد لا أحد يعرف أين سينتهي، كما لم يكن أحد يعرف التداعيات بعد 7 أكتوبر أو 11 سبتمبر.

وهنا يأتي السؤال السياسي الذي لا يقل خطورة: فلو نجحت العملية الإرهابية -لا سمح الله- فمن كان سيستفيد من تداعياتها؟ نتنياهو كان سيجد بلا شك مادة هائلة تنتشل موقفه السياسي وتمنحه مبررًا جديدًا لإعادة المنطقة إلى دوامة الحرب تحت عنوان مكافحة الإرهاب.. لكن هذه المرة لن تكون غزة وحدها هي المسرح؛ ولذلك فإن السؤال عما كان يمكن أن يحدث في اليوم التالي لسقوط الطائرة، ومن كان سيستفيد منه، ليس مبالغة، بل جزء من فهم حجم الكارثة التي جرى تفاديها.

لكن قبل الذهاب بعيدًا في سيناريوهات اليوم التالي، هناك سؤال أبسط وأكثر إلحاحًا: كيف وصل مساعد الطيار أصلًا إلى هناك؟ فإذا صحت المعلومات التي نشرتها "وول ستريت جورنال" عن منعه سابقًا من الطيران وخضوعه لبرنامج لمكافحة التطرف، ويضاف إليها ما أكدته الخطوط الملكية المغربية من أنه تدرب لديها ثلاثة أشهر عام 2025 قبل أن ترفض طلبه للعمل لديها، فإننا أمام مسار مهني كان ينبغي أن يثير أكثر من سؤال قبل أن يعود الرجل إلى قمرة القيادة.. والأكثر إثارة أن الصحيفة نقلت عن أشخاص مطلعين على ملفه أن المعلومات التي أدت سابقًا إلى منعه من الطيران كانت متاحة، لكن لم يُطلب الحصول عليها ضمن إجراءات التحقق اللازمة لتوظيفه لاحقًا.

هذه الثغرة تكشف مشكلة خطيرة في انتقال المعلومة الأمنية نفسها؛ ففي عالم يستطيع فيه الطيار أن يدرس في دولة، ويعمل في أخرى، ويتقدم إلى شركة في ثالثة، ثم ينتقل إلى شركة جديدة في دولة رابعة، لا يكفي أن تحتفظ كل دولة بما تعرفه داخل حدودها.. فالوظائف الحساسة، وفي مقدمتها الطيران المدني، تحتاج إلى منظومة تجعل المعلومة الأمنية المهمة تنتقل مع صاحبها، وفق ضوابط قانونية واضحة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بسلوك أو ملف سابق أدى بالفعل إلى إبعاده عن قمرة القيادة.

لقد بنى العالم بعد 11 سبتمبر منظومة هائلة لمنع الإرهابي من دخول قمرة القيادة، وربما تكشف هذه الحادثة أن الباب الذي يحتاج إلى مراجعة اليوم ليس باب الطائرة، وإنما باب التوظيف نفسه.. فلا معنى لأشد إجراءات التفتيش صرامة إذا استطاع شخص تحيط به كل هذه التساؤلات أن يجلس خلف المقود، ولا قيمة لمعلومة أمنية خطيرة إذا بقيت حبيسة الأدراج في دولة ما.. لذلك فإن الرحلة 1073 ليست حادثة انتهت بسلام؛ بل حادثة خطيرة منحت العالم إنذارًا نادرًا من دون أن يدفع ثمنه بمئات الأرواح.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد