: آخر تحديث

الذكاء الاصطناعي من الإقطاع إلى الشيوعية

4
3
3

على الخريطة المسطحة يبدو الشرق الأقصى أبعدَ ما يكون عن أقصى الغرب. لكنَّهما في الواقع ثلاثي الأبعاد قريبان للغاية. يتكرر هذا في خرائط الأفكار السياسية، والظواهر الاجتماعية. والأمثلة كثيرة. الدين السياسي واليسار الراديكالي على تناقضهما الظاهري، متقاربان جوهرياً. تجمعهما الراديكالية في التغيير، والرغبة في هندسة المجتمع وفق نموذج جاهز مسبَّقاً، والأستاذية، وادعاء الوعي بين جماهير غافلة. ثم الكراهية الشديدة لحرية الفرد واستقلاليته.

الشيوعية أيضاً تبدو نقيضة للإقطاع. تذمه بين كل جملة وأخرى. لكن هذا مجرد دعاية سياسية ضرورية ضد نظام ثارت عليه. أما البنية الأساسية لعلاقة السلطة بالفرد فلم تتغير من هذا النظام إلى ذاك. الشيوعية هي إقطاع النفوذ. إقطاعيوها يحققون مكاسبهم بتقاسم النفوذ بدلاً من الأرض.

وهو تغير تاريخي منبعه تحول مفهوم السلطة الاقتصادية والسياسية من السيطرة على الأرض بمن عليها، إلى السيطرة الفئوية. الشيوعية لم تجعل حقوق الفرد محور النظام، اهتمت فقط بمفاهيم التملك. فأضافت إلى كونها «إقطاع النفوذ» خصيصة جديدة، أن هذا النفوذ بالإيجار. تسحبه السلطة المركزية وتمنحه كما يعن لها. يهمنا هذا في عصر التحولات الجديدة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، الذي تطرقت في مقال سابق إلى أنها تشبه «إقطاعاً معرفياً» قد يستفز باسم الشعب تدخل سلطة مركزية تستولي عليه. فهل هذا مصير حتمي؟

الفارق بين الغرب الرأسمالي وبين الثورية الشيوعية في التحول عن الإقطاع كان شيئاً واحداً؛ دور الفرد. في التطور الرأسمالي التدريجي، تعاظم دور الفرد بالابتكار والاستثمار والتملك الصغير والشراكات، بحيث لم يكن ممكناً إهماله في النظام السياسي. أما في التحول الثوري المفاجئ من الأب الإقطاعي إلى وريثه الاشتراكي، فلم يكن له دور.

وتلك بالضبط النقطة المفيدة في التعامل مع التحولات الحاضرة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي: كيف نحول دون الانتقال من النقيض الأول إلى الثاني؟ من الإقطاع المعرفي إلى البلشفية المعرفية؟

مبتكرو الذكاء الاصطناعي يعتبرون أن استغلال خبرات البشر لتنمية «ثروتهم» حق طبيعي مكتسب. يقدمون مقابله بعض الوجبات المعرفية، وبعض الأدوات التي تضمن استمرارك في حرث أرض الذكاء الاصطناعي ورعاية زرعها.

وكما كان الحال وقت الإقطاع، فإنَّ ملامح التململ موجودة، وستزداد مع تغيرات سوق العمل. والتغيير قادم. السؤال كيف يحدث. هل يكون تدريجياً على طريقة الرأسمالية الغربية؟ أم راديكالياً على الطريقة البلشفية؟ والإجابة يحددها دور الفرد في هذا التغيير.

إن استمر التكاسل التشريعي إلى الحد الذي يدفع إلى التغيير الراديكالي، فسيتحول الإقطاع المعرفي إلى بلشفية معرفية. تستحوذ فيها حكومات باسم الشعب على هذا الكنز الهائل من المعلومات، فتملك من أدوات التحكم في الأفراد ما تتضاءل إلى جواره أدوات النظام البلشفي وأشباهه. ووجود الديمقراطية في الغرب ليست ضمانة ضد هذا الانتقال، ربما تغير وسيلته من ثورة تخريبية إلى ثورة صندوقية، كما حصل في ألمانيا القرن الماضي.

المخرج الوحيد تشريعات تضمن دوراً أكبر للفرد، وتسمح له بتنمية ثروته المعرفية والابتكار فيها والتكسب منها، ضد استغلال الإقطاع المعاصر. وهذا لن يحدث إلا بتحول الذكاء الاصطناعي إلى سلعة متداولة، يمكن امتلاكها، على غرار تشريعات المِلكية الفكرية. وبالتالي لا يمكن لبائعها التلاعب بخوارزمياتها بعد بيعها، ولا يمكن له - على طريقة الإقطاع - الحصول على خبرات البشر ومجهوداتهم دون مقابل تعاقدي. خبرات البشر هي المادة الخام لاستثمارات الذكاء الاصطناعي. وفي الوقت الحالي فإنَّ هذا الإقطاع المعرفي قادر على الاستحواذ عليها بلا مقابل، والاكتساب منها دون مشاركة في الربح.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد