: آخر تحديث

عندما يتحوّل العرب ضحيّة نظرية المؤامرة...

4
5
3

خيرالله خيرالله

وقع العرب مرة أخرى ضحية نظريّة المقاومة عن طريق الحادث الخطير الذي تعرّضت له رحلة «فلاي دبي» بين دبي وتل أبيب. لم تكن هناك، في الواقع، حاجة إلى الذهاب بعيداً، مرّة أخرى، في اعتماد نظرية المؤامرة، التي تسيطر على العقل العربي، عموماً، والربط بين حادث طائرة «فلاي دبي» ورغبة بنيامين نتنياهو، رئيس الحكومة الإسرائيليّة في الاحتفاظ بموقعه بعد انتخابات الكنيست المقرّرة في الـ27 من الشهر الجاري. من يفكّر بهذه الطريقة، عبر الربط بين ما كان يمكن أن يكون كارثة بشريّة والمستقبل السياسي لـ«بيبي»، إنما يضحك على نفسه أولاً، بل يمارس عملية هروب إلى أمام تستهدف عملياً الهرب من الحقيقة والواقع في الوقت ذاته.

كان من الطبيعي استغلال «بيبي» نجاة ركاب الطائرة من الإسرائيليين، الذين كانوا في رحلة دبي – تل أبيب، خصوصاً في ضوء إتقان رئيس الحكومة الإسرائيلية لعبة القفز على الفرص السياسية التي تظهر أمامه.

تبيّن، في ضوء ما صدر عن جهات رسميّة إماراتية، أن مساعد الطيار، أراد تنفيذ «عملية إرهابيّة». هذا ما ورد على لسان المستشار حمد سيف الشامسي، النائب العام في الدولة. قبل ذلك، أشاد أنور قرقاش، مستشار رئيس دولة الإمارات بالطيار الهندي سميت ماتشار، الذي تعرّض للهجوم خلال حادث الطائرة، معتبراً أنه جسّد خلال مواجهة ما وصفه بـ«عمل إرهابي خطير»، معاني «الشجاعة والمسؤولية وأظهر مهنية وحساً أخلاقياً أمام كارثة محتملة». ليس سرّاً أن دولة الإمارات دولة تحترم نفسها. لا يدلي المسؤولون فيها بمعلومات من دون أن تكون لديهم معطيات محددة، بما في ذلك تاريخ مساعد قائد الطائرة الذي يمتلك فكراً متطرفاً، عبّر عن هذا الفكر من خلال ما نشره في وسائل التواصل الاجتماعي.

الأمر يتعلّق، إذاً، بـ«عمل إرهابي» أمكن تفاديه وليس بعملية مدبرة تستهدف تمكين رئيس الحكومة الإسرائيليّة من الفوز في الانتخابات والاحتفاظ بموقعه. لا يستطيع أي سياسي في عالمنا هذا المغامرة بحياة 180 شخصاً من أجل إيجاد طريقة تسمح له بالبقاء في السلطة.

آن أوان خروج العقل العربي من نظرية المؤامرة التي ذهب المنطق، ومعه عدد لا بأس به من دول المنطقة، ضحيتها. وجد، بين العرب، من يعتبر أن وجود طيارين آخرين في الطائرة دليل على وجود خطة مدبرة تقوم على إنقاذ الركاب في الوقت المناسب. كلّ ما في الأمر أن وجود الطيارين اللذين لعبا دوراً في تمكين الطائرة من الهبوط بسلام في مطار تبوك السعودي إجراء عادي. في رحلات جوية كثيرة، غالباً ما يكون هناك طيارون آخرون في ظلّ اعتبارات تقنية مرتبطة بساعات الطيران وفترة الراحة التي يتوجب احترام مدتها بموجب الأنظمة المتعارف عليها.

أين الخلل الذي حصل والذي مكّن مساعد الطيار، الذي يبدو أنّه يمتلك فكراً متطرفاً، من العمل في دبي في شركة الطيران المعنيّة؟ هذا ما يفترض أن تكشف عنه التحقيقات الجارية. الأكيد أن لا علاقة لهذه التحقيقات بوجود مؤامرة من نوع ما في ما يخص رحلة دبي – تل أبيب.

كلّ ما حصل في الرحلة مرتبط بوجود إرهابي ينتمي إلى تنظيم ما، يريد تنفيذ عملية موجهة ضدّ الإمارات أو إحياء ذكرى اقتراب مرور ثلاث سنوات على «طوفان الأقصى» الذي نفذته «حماس» في السابع من أكتوبر 2023 واستهدفت فيه مستوطنات إسرائيلية في ما يسمّى غلاف غزة. كذلك، ربّما أراد مساعد قائد الطائرة التذكير بمرور ربع قرن على «غزوتي نيويورك وواشنطن» اللتين كان خلفهما تنظيم «القاعدة» بزعامة أسامة بن لادن.

وقتذاك، في العام 2001، وجد من يتحدث عن مؤامرة لجهاز الإستخبارات الإسرائيلي (موساد) وتحميله مسؤولية «غزوتي نيويورك وواشنطن». ذهبت عقول عربيّة إلى تصديق ما ورد في كتاب لمشعوذ فرنسي يدّعي أن الـ«موساد» كان على علم مسبق بالهجوم الذي استهدف برج التجارة العالمي في نيويورك، بدليل أن اليهود الذين يرتادون البرج عادة ويعملون فيه كانوا غائبين يوم شنت «القاعدة» هجومها عليه.

يمكن العودة إلى نظرية المؤامرة أيضاً في مرحلة الاجتياح العراقي للكويت صيف 1990. وجد، بين العرب من يدّعي أن إبريل غلاسبي، السفيرة الأميركية في بغداد أوحت لصدّام حسين بدخول الكويت.

لدى مراجعة محضر الاجتماع الذي انعقد في تلك الأيام بين صدّام والسفيرة الأميركية، لا وجود إلى إيحاء من هذا النوع، مقدار ما يوجد غباء سياسي كان يتمتع به الرئيس العراقي الراحل. لم تكن لدى صدّام أي معرفة بما يدور في العالم وموازين القوى القائمة. نصب لنفسه وللعراق فخاً لا علاقة للسفيرة الأميركيّة به من قريب أو بعيد.

من يشفي الجمهور العربي من نظريّة المؤامرة؟ يبدو ذلك في غاية الصعوبة ما دام الجهل السياسي سيّد الموقف. بلغ الجهل السياسي ذروته في لبنان حيث تحولت الهزائم إلى انتصارات والاحتلال إلى سبب للفخر وحيث السائد أن إسرائيل كانت ستحتل أرضاً لبنانية، فتح «حزب الله» جبهة جنوب لبنان أم لم يفتحها من أجل «إسناد غزّة»...

يتغيّر العالم وتتغيّر المنطقة ولا يتغيّر التمسّك العربي بنظرية المؤامرة. ثمة في منطقتنا من يصرّ على العيش في الأوهام من نوع تلك التي كان يطلقها حسن نصرالله، عن أن «إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت»... على سبيل المثال وليس الحصر.

لا يتعلّق الأمر بأكثر من استخدام نظرية المؤامرة من أجل تفادي مواجهة الحقيقة والواقع والهرب منهما لا أكثر. لم يكن حادث طائرة «فلاي دبي» غير مناسبة أخرى لكشف مدى رسوخ نظرية المؤامرة في العقل العربي... الضحية الأولى لهذه النظريّة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد