حاوره ياسر السالم..
ينتقل فخري كريم في شهادته من ممارسات سلطة الاحتلال إلى قراراتها. فإذا كانت الممارسات تعكس فوضى ميدان، فالقرارات خيارات اتخذت في غرف مغلقة، وهي عنده أشد أثرا على مسار العراق كله.
ويبدأ تشريحه لقرارات الحاكم المدني بول بريمر من الموضع الذي يراه الأخطر: قرار حل الجيش العراقي
ويبدأ في حديثه بهذا الشأن من الواقعة التي تنقض التبرير الرسمي للقرار من أساسه، وتكشف أنه ما كان حلا لمشكلة قائمة، بقدر كونه خلقا لمشكلة لم تكن موجودة أصلا.
فالحقيقة الأولى التي يسلط عليها الضوء هي أن الجيش العراقي قد «انحل فعلا» قبل قرار حله، يقول: «ليس هنالك ولا عسكري إطلاقا، لا في المعسكرات ولا في المقار.. ولا في أي مكان آخر».
ويرفض التفسير الأسهل لهروب العساكر العراقيين: «الهروب ليس عن جنود يخافون من قوات الاحتلال»، ويرده إلى ما هو أعمق: «الهروب تعبير عن جثة النظام فعلا»!
«الجيش لم يتبخر لأن جنوده جبناء»، يقول كريم: «تبخر لأنه جيش بلا عقيدة أو ولاء لكيان أبعد من شخص الحاكم.. جيش مكرس تحت سلطة رجل واحد، فحين سقط الرجل لم يعد للجيش ما يتماسك حوله، لا وطن يدافع عنه في وعي الجندي، ولا مؤسسة يحترمها، ولا عقيدة تمنحه سببا للبقاء في موقعه».
وهذا في ذاته حكم على النظام لا على الجنود.
وإذا كان الجيش «منحلا فعلا» بحكم الواقع، فما معنى أن يتخذ قرار بحل الجيش؟ يسأل كريم، ثم يجيب نفسه: القرار استهدف إمكانية إعادة بناء القوات المسلحة، والجيش الذي تفكك ذاتيا كان يمكن استدعاء أفراده وإعادة تجميعهم في إطار جديد، أما الجيش الذي صدر قرار رسمي بحله فقد ألغي وجوده القانوني والمؤسسي، وألغيت معه رواتب منتسبيه وحقوقهم وانتماؤهم، أي حولوا بجرة قلم من جنود متفرقين يمكن استدعاؤهم إلى عاطلين مسلحين مدربين، لا مؤسسة تحتويهم، ولا راتب يصلهم، ولا مستقبل ينتظرهم.
ويرسم كريم المسار البديل الذي كان ممكنا، ويصوغه في ثلاث خطوات متلازمة.
الخطوة الأولى: «الدعوة لعودة العسكريين، كل العسكريين، إلى مواقعهم»، أي استدعاء عام يعيد الجنود إلى ثكناتهم تحت سلطة جديدة بدل تركهم في الشوارع.
والخطوة الثانية: «عزل الضباط المطلوبين للعدالة» لتطهير المؤسسة «من العناصر التي كانت أدوات بيد النظام»، أي فرز دقيق يفصل بين المجرمين الذين ارتكبوا انتهاكات باسم النظام وبين الأغلبية التي خدمت في مؤسسة عسكرية كأي جندي في أي بلد.
والخطوة الثالثة: «إعادة بنائه وفقا لعقيدة جديدة ولاؤها للدولة».
البديل الذي يطرحه كريم منطق يفهمه أي سياسي وأي عسكري وأي قائد. فحين تسقط الدولة فإنك لا تلغي مؤسساتها، بل تعيد بناءها؛ تستدعي أفرادها، وتنقيها من عناصرها الفاسدة، وتمنحها عقيدة جديدة ومهمة جديدة وقيادة جديدة، وتبقي على الهيكل الذي يمكن أن يستوعب هذا كله، كي لا تتحول تلك الحشود إلى وحش مطلق!
ما فعله بريمر هو العكس تماما، ألغى الهيكل ذاته. والنتيجة أن مئات الآلاف من الرجال المسلحين المدربين، الذين كان يمكن أن يصبحوا نواة الجيش الوطني الجديد، «أطلقوا إلى العطالة والبطالة في الشارع».
رجال يجيدون استخدام السلاح، فقدوا رواتبهم ومكانتهم ومستقبلهم بقرار واحد، ولم يجدوا أمامهم سوى خيارين: الخضوع لواقع لا يعترف بهم بلا أي ضمانات، أو الانخراط في العنف الذي يعترف بمهاراتهم.
وهذا بالذات ما يعنيه كريم حين يقول إن قرار حل الجيش تدمير لإمكانية بناء القوات المسلحة على قاعدة ولاء جديدة.
ويذكر كريم بأنه تناول هذا القرار «في افتتاحيات جريدة المدى» كتبها في حينه.
ومنح القرار تسمية ما يزال يتذكرها بعد أكثر من عشرين سنة، في ثلاث كلمات: «حكم بإعدام ميت».
والبعد الأعمق الذي يتلقطه لهذا القرار لا يعزله عن سياق قرارات السلطة المدنية للاحتلال. فحل الجيش ليس قرارا منفردا ارتكبه مسؤول جاهل في لحظة ارتجال، كان حلقة في سلسلة من القرارات التي صنعت، مجتمعة، «بنية الخراب»: الاجتثاث الذي عاقب الملايين بدل ملاحقة المئات من المجرمين، وغياب العدالة الانتقالية الذي ترك الجروح بلا علاج.
وكل قرار منها أنتج عكس غايته المعلنة.
قائمة الـ(55) وأوراق اللعب!
في 11 نيسان 2003، أعلن الجيش الأمريكي توزيع قائمة الـ55 المطلوبين التي وضعتها وزارة الدفاع الأمريكية، وتضم أبرز شخصيات قيادة نظام صدام حسين بهدف تعقبهم واعتقالهم. وقد صممت الأسماء على هيئة مجموعة أوراق لعب (كوتشينة)، لتسهيل حفظ الوجوه والأسماء والتعرف عليها ميدانيا.
يسمي فخري كريم هذه القائمة «أكبر جريمة ترتكبها قوات الاحتلال»، ويضعها قبل الاجتثاث في سلم الخطورة، لأنها أسست المنطق الذي بنيت عليه الجرائم التالية كلها، ولأنها اختزلت نظام قمع شامل في حفنة من الوجوه، ثم منحت كل من عداهم براءة ضمنية بصرف النظر عما فعلوه.
فبحسب روايته، وجه الاحتلال رسالة مفادها أن المطلوبين هم الـ55 وحدهم، «تجسد النظام المنهار». وهو اختزال، كما يشرح كريم، أسقط ضمنيا التبعة عن كل من وراءهم من رموز النظام «الذين كانوا أدوات في البطش والاغتيال والتصفيات في أجهزة الأمن والمخابرات»؛ آلاف الضباط والمحققين ومديري الأمن ورؤساء الفروع ومنفذي الأحكام، أخرجوا جميعا من دائرة الاتهام لسبب واحد، هو أن أسماءهم لم توضع على ورقة من أوراق اللعب.
ثم يروي الآلية التي عملت بها القائمة على الأرض، بتفصيل يكشف عبثيتها وخطورتها معا. يقول إن أي عسكري أو شخصية سياسية من النظام السابق كان يمر هو أو وسيط عنه على الأمريكيين، فيدخل اسمه إلى الحاسوب، فإن لم يكن من بين الـ55، فإنه يعد «غير مطلوب»، فيعطى حسب طلبه «ورقة خروج بمثابة البراءة»، يعبر بها إلى سوريا أو الأردن أو بلدان أخرى.
وهنا يقف كريم عند مفارقة يلتقطها: فجهاز التدقيق لم يكن يحوي وثائق إدانة ولا ملفات أمن ولا سجلا بأسماء الضحايا وجلاديهم.. «فقط قائمة من خمسة وخمسين اسما» فحسب.
على أن الوجه الآخر لهذه الآلية هو الأخطر. فالسلطة التي أفلتت كبار المجرمين كانت في الوقت ذاته تسحق «صغار المرغمين على الانتماء إلى البعث» بلا تمييز. يقول كريم إنه «بسبب وشايات أو متابعات، كان يلقى القبض على عناصر بسيطة»، ربما كان الواحد منهم بعثيا أو في «الجيش الشعبي»، ممن انتموا «لاعتبارات معروفة»، ليحصل على وظيفة يسترزق منها، أو ليتمكن من الالتحاق بالجامعة، أو لغير ذلك من أسباب المحنة - «وبين هؤلاء من قتل، وبين هؤلاء من بقي سنوات في السجن».
وما يريد كريم تثبيته من فوضى الأسابيع الأولى أن الفوضى ما كانت عابرة، وإنما نمط بنيوي سيحكم الوضع الجديد كله؛ نمط أرسى مبدأ ما يزال ساريا إلى اليوم: أن المساءلة في العراق الجديد ستكون انتقائية - على الهوية - فمن يملك «واسطة أو علاقة أو حظا» ينجو، ومن لا يملك شيئا منها يسحق.
والضباط الكبار والمسؤولون الأمنيون الذين عبروا في تلك الأسابيع لم يختفوا جميعا في المنافي. فمنهم من غذى الشبكات المسلحة من الخارج، ومنهم من عاد لاحقا فاندمج في الدولة الجديدة بمسميات مختلفة، ومنهم من صار جزءا من الطبقة الحاكمة ذاتها!
الاجتثاث.. معاقبة الملايين بدل ملاحقة المجرمين
إذا كان حل الجيش قد دمر إمكانية إعادة بناء المؤسسة العسكرية، وكانت قائمة الـ55 قد أطلقت المجرمين الكبار وسجنت المرغمين الصغار، فإن قرار اجتثاث البعث - كما يشرح تبعاته كريم - فعل شيئا مدمرا للمسار الجديد: حول حلفاء محتملين للدولة الجديدة إلى أعداء لها.
فإذا كان القراران الأولان قد أخطآ في إصابة الهدف المعلن، فإن الاجتثاث أخطأ في تعريف العدو ذاته، ومن يخطئ في تعريف عدوه يصنعه بيديه!
يبدأ كريم من التمييز الذي يرى أنه كان ينبغي أن يحكم أي قرار يتعلق بالبعث: «التمييز بين البعث عقيدة والبعث انتماء شكلي». ويستند في هذا التمييز إلى مرجعية لا يمكن لأحد أن يرده عليها: «صدام حسين نفسه قال إن البعثيين الحقيقيين لا يتجاوزون بضعة آلاف».
وهذا الرقم - على ما فيه من مبالغة محتملة في الاتجاه المعاكس - يكشف حقيقة يعرفها كل من عاش في ظل ذلك النظام: أن الأغلبية الساحقة ممن حملوا بطاقة الحزب لم يكونوا بعثيين بأي معنى عقائدي أو سياسي حقيقي.
ويصف كريم هؤلاء الأغلبية بما يعرفه العراقيون من تجربتهم: «بلا عقيدة، ينتمي الواحد لكي يستطيع أن ينضم إلى الكلية الفلانية، أو حتى يتوظف، أو يستفيد من الامتيازات، وينتمي مرغما، وليس لديه ولاء». فالانتماء البعثي لهؤلاء كان شرط بقاء في نظام لا يسمح بالحياة خارج أطره.
وحين يصبح الانتماء الحزبي شرطا للعيش، فإن حامل البطاقة ليس مناضلا في صفوف الحزب، وإنما رهينة لديه.
ويضيف كريم ملاحظة تكشف بعدا في بنية النظام نادرا ما يجري الالتفات إليه: أن بعض المنتمين لم يكونوا يخشون البقاء خارج الحزب فحسب.. كانوا يخشون التقدم داخله أيضا. يقول إنه كان بينهم، «خاصة بعد مجزرة قاعة الخلد، من يريد أن يتخلص حتى من موقعه، لأنه في فترة ما، كان من يتقدم من البعثيين إلى المواقع العليا في سلم البعث أو الدولة، يخشى أن يجيء دوره ويصفى».
فالنظام الذي فرض الانتماء على الناس كان يفترس المنتمين أنفسهم حين يرتقون في سلمه. والموقع المتقدم في الحزب كان امتيازا وخطرا في الوقت نفسه، لأن من يصل إلى دائرة القرار يصبح قريبا من دائرة الشبهة، ومن يعرف أسرار النظام يصبح مرشحا لأن يزاح حين تتغير الحسابات.
فالبعث لم يكن حزبا بالمعنى السياسي، خصوصا بعدما استولى صدام حسين على السلطة، هو والصف الأول من أسرته وعشيرته؛ لم يكن الحزب مجموعة من المؤمنين بفكرة، بل آلة سيطرة تأكل أبناءها، ليتغذى النظام بقيادته العليا، كما يصفه كريم، الذي يستخلص من هذا التشخيص ما كان ينبغي أن يكون بديهيا لأي قرار سياسي: أن «البعث في تلك اللحظة انتهى بوصفه بنية سياسية وتنظيمية.. باستثناء القاعدة التي كان يتكلم عنها صدام حسين» - أي المندمجين فيه «عقيدة وتنظيما وولاء»، وهم بضعة آلاف.
والأغلبية الساحقة من المنتمين للبعث، فيصف موقفها بعبارة لا تحتاج إلى شرح: «أغلبيتهم لم يشعروا للوهلة الأولى بالقلق من الإطاحة بصدام، حيث اكتووا بجحيم المستبد وأتباعه الأذلاء».
وكان يمكن لأي سياسة عاقلة أن تستثمر هذه الحالة غير السلبية، وتحولها إلى ولاء للنظام الجديد، أي أن تقول لهؤلاء الملايين، وبينهم المنتمون للبعث بلا ولاء: «انتهى ما كنتم ترزحون تحته، أنتم مواطنون في الدولة الجديدة»، فتكسبهم.
لكن بريمر فعل العكس تماما، «يسانده في ذلك البعض من القادة المتوهمين بأن الولاء يمكن أن يتحقق عبر الردع بالقوة أو بإجراءات إدارية»، كما يرى كريم.
ويصف ما فعله بريمر بعبارة تختصر الكارثة: «خاطب كل البعثيين دون استثناء، بوصفهم معنيين بقرار الاجتثاث.. أعاد إرهابهم وتهديدهم بأنهم مطلوبون على انتمائهم المجرد الشكلي».. وبريمر لم يلاحق أفرادا ولم يحاسب مجرمين بعينهم، «بل أشاع إرهابا جماعيا عبر رسالة إلى مئات ألوف المنتمين للبعث مفادها أن انتماءهم، حتى لو كان شكليا ومرغما، يجعلهم مطلوبين».
وبهذه الرسالة الواحدة حول فرحة الخلاص إلى رعب جديد. فمن كان يظن أنه أصبح آمنا في ظل نظام جديد، يفترض أن لا يعاقب على قرار فرض عليه بقوة القانون والإرهاب والحرمان.. فالنظام القديم كان يهدده بوصفه مواطنا غير ذي ولاء كاف، والنظام الجديد صار يهدده بوصفه بعثيا بصرف النظر عن ولائه.
فوجد «البعثي المرغم» نفسه بين مطرقتين: «لا النظام الساقط كان يثق بانتمائه، ولا النظام الجديد مستعد أن يقبل به مواطنا بلا شبهات».
والنتيجة التي يربطها كريم بهذا القرار كانت أن بريمر «صنع حساسية سياسية خطيرة»، فحول شرائح اجتماعية واسعة إلى «حاضنة للإرهاب، حاضنة لما سمي بالمقاومة المزيفة». وبذلك صنع «الاجتثاث» بالضبط ما ادعى أنه يحاربه: أعاد إنتاج البعث بوصفه تهديدا بعد أن كان قد «انتهى» فعلا.
ورغم أن كريم يتناول بريمر في نقده بهذا الشأن، فإنه لا يحمله كامل المسؤولية. يقول إن قيادات عراقية كانت وراء القرار ودفعت به، «هي من صاغ له إطاره المؤسسي والقانوني». وهو ما يعني أن المسؤولية عن الاجتثاث تتقاسمها مع سلطة المحتل بعض القوى العراقية التي وجدت في القرار أداة لتصفية حساباتها أو لتعزيز هيمنتها.
ويرى كريم أنه كان يمكن التعامل مع الأمر بصورة مختلفة: «كان ينبغي تفكيك مؤسسات الاستبداد وملاحقة المجرمين.. لا التسامح مع النظام ولا التغاضي عن جرائمه كان مطلوبا، فالمؤسسات التي ارتكبت الجرائم تصفى، والمجرمون الذين نفذوها يجب أن يلاحقوا».
غياب العدالة الانتقالية.. الثغرة التي أنتجت كل ما تلاها
يجمع فخري كريم خيوط المحاور الثلاثة السابقة - حل الجيش، وقائمة الـ55، والاجتثاث - في ثغرة واحدة يراها الأم التي أنجبتها جميعا، والتي تفسر لماذا أنتج كل منها نقيض غايته، ويسميها: غياب العدالة الانتقالية.
فالجيش حل بدل أن يعاد بناؤه لأنه لم تكن ثمة آلية تفرز من يستبقى ومن يحاسب. والقائمة اختزلت النظام في خمسة وخمسين مجرما لأنه لم يكن ثمة جهاز قضائي يتولى الملاحقة الشاملة. والاجتثاث خاطب مئات الألوف بدل بعض المئات لأنه لم يكن ثمة معيار قانوني يميز المجرم من المرغم.
وكل هذه القرارات الثلاثة - على تفاوتها في الحجم والأثر - تشترك في أنها حاولت أن تفعل ما كان ينبغي للعدالة الانتقالية أن تفعله، لكنها فعلته بأدوات سياسية وعسكرية لا بأدوات قضائية، فجاءت النتائج كارثية.
يسمي كريم هذا الغياب بوضوح: «واحدة من الثغرات التي أدت إلى ما أدت إليه في العراق إلى الآن».
ويحدد كريم مفهومه للعدالة الانتقالية بدقة تكشف أنه لا يستعمل المصطلح شعارا، فهو يعرف مضمونه ويعرف ما يترتب على غيابه.
يقول إنها سلطة قضاء ومنظومة عدالة مؤسسية وقانونية، «تعالج الانتهاكات التي جرت بين الطرفين، المواطن والسلطة»، تقتص من «الرموز» بحيث «يلقى المجرم جزاءه»، ويعوض الضحية ويكرم.
بهذا المعنى تكون العدالة الانتقالية أبعد من كونها انتقاما جماعيا من حزب أو طائفة أو فئة، كما تحول الاجتثاث في التطبيق. وهي ليست ثأرا يشفي غليل الضحايا، وإن كان هذا حقهم، غير أنها علاج يعيد بناء الثقة بين المواطن والدولة.
ويربط كريم هذا المفهوم مباشرة بمعافاة المجتمع. يقول: «هذا هو الطريق لمعافاة المجتمع، إعادة تكوينه، إعادة معافاته، أن تكون هنالك عدالة انتقالية تقتص من مجرمي النظام السابق».
فالمجتمع الذي عاش تحت نظام قمعي خمسة وثلاثين عاما مجتمع مثخن بجراح لا يمكن أن تداوى بتجاهلها: جراح التعذيب والتصفية والاغتصاب والتهجير والاختفاء القسري والمقابر الجماعية.
هذه الجراح لا تشفى بسقوط النظام وحده، لأن سقوط النظام يزيل المصدر ولا يعالج الأثر، هي تشفى حين يرى الضحية أن جلاده نال جزاءه، وأن الدولة الجديدة ليست استمرارا للقديمة بوجوه مختلفة، وأن ثمة فرقا حقيقيا بين ما كان وما صار.
ومن دون هذا كله يبقى الجرح مفتوحا، ويبقى المواطن يشك في الدولة الجديدة لأنه يرى فيها وجوه الدولة القديمة.
وهذا بالذات ما يقوله كريم حين ينتقل من المفهوم إلى الواقع. يشهد بأن ما حدث كان النقيض التام لما كان ينبغي أن يحدث: «لم يلق القبض على أي مجرم غير الوجوه الخمسين للنظام، وليس هؤلاء جميعهم».
فالذين عذبوا في أقبية المخابرات، والذين أداروا حملات الأنفال، والذين نفذوا الإعدامات الجماعية، والذين كتبوا أوامر التصفية، والذين أشرفوا على المقابر الجماعية، وغيرهم.. هؤلاء لم يلاحقوا.
ومن هذا كله، يصل كريم إلى الحكم الذي يضعه بين تحفظ واثق ويقين متحفظ: «أنا واثق، ولا أريد أن أبالغ، أن مئات المجرمين والقتلة الذين انتهكوا أعراض العراقيين وتجاوزوا على حرياتهم، وقتلوا وذبحوا وانتهكوا في أجهزة النظام السابق، موجودون في الدولة، وفي مراكز أساسية، وأيضا في كل المفاصل، بدون استثناء».
ثم يكثف كريم هذا كله في المقولة التي يقول إنه كررها «أكثر من مرة»، والتي تختصر المشهد المحزن كله في صورة واحدة: «لو خرج صدام حسين الآن، سيبتسم ولن يبكي، لأنه يجد رفاقه وأنصاره موجودين في كل مكان، دون استثناء، في مواقع الدولة والقرار».
وبذلك تغلق سلسلة الجرائم التأسيسية دائرتها: حل الجيش أطلق المسلحين إلى الشارع، والـ55 أطلقت المجرمين إلى ما خلف الحدود، والاجتثاث حول قسما من المحررين إلى حاضنة للعنف، وغياب العدالة الانتقالية هو الذي سمح لكل ذلك أن يحدث ويستمر بلا تصحيح!

