: آخر تحديث

قبل أن يصبح تريليونًا.. كيف تُصنع الميزانية؟

2
2
3

"كيف يكون عندنا عجز وإحنا دولة غنية؟"

جاء السؤال من أحد الأبناء وسط جلسة جمعتني ببعض الصديقات والأقارب. بدأ كل منا يحاول الإجابة بطريقته، لكن السؤال أخذني إلى مكان آخر.

نحن نقرأ خبر الميزانية كل عام. نعرف أن الإيرادات ارتفعت أو انخفضت، وأن هناك عجزًا أو فائضًا، ونرى أرقامًا تتجاوز التريليون ريال. لكن لو سألنا طفل: من أين جاء أصلًا رقم 1.313 تريليون ريال الذي تقول الدولة إنها ستنفقه في 2026؟ كيف حُسب؟ ومن قرر أين يذهب؟ وكيف تعرف الدولة ما ستكسبه في عام لم يبدأ بعد؟

اكتشفت أن السؤال البسيط يستحق إجابة حقيقية.

ومع عودة أبنائنا إلى المدارس، قررت هذه المرة أن أبتعد قليلًا عن مقالات الاقتصاد والاستثمار والأسواق، وأن أتعلم معهم شيئًا نقرأ عنه كثيرًا، وربما لا نتوقف بما يكفي لفهمه: كيف تُصنع ميزانية دولة؟

لنبدأ من الرقم نفسه.

قدرت المملكة مصروفات عام 2026 بنحو 1.313 تريليون ريال، مقابل إيرادات متوقعة بنحو 1.147 تريليون ريال وعجز متوقع يقارب 165 مليار ريال.

لكن هذا الرقم لم يولد في يوم إعلان الميزانية.

قبلها بأشهر، كانت أرقام كثيرة تتحرك داخل أجهزة الدولة. وزارة لديها موظفون وبرامج ومشروعات. مستشفى يحتاج إلى التشغيل والتجهيز والصيانة. جهة تعمل على طريق أو بنية تحتية. مدرسة تحتاج معلمين وخدمات. مشروع دخل مرحلة جديدة. وبرامج اجتماعية والتزامات وتمويل وخدمات يجب أن تستمر.

كل جهة لديها احتياجاتها وخططها، لكن الدولة لا تجمع ما تطلبه الجهات ثم تصرفه ببساطة. هناك أولويات، وسقوف للإنفاق، وتقديرات للإيرادات، ومراجعات ومناقشات قبل الوصول إلى الصورة النهائية. وتوضح وزارة المالية أن دورة إعداد الميزانية تبدأ فعليًا منذ الربع الأول، وتمر بمراحل التخطيط والتحليل والمراجعة والاعتماد حتى الإعلان عنها في نهاية العام.

وهنا فهمت شيئًا ربما لا نفكر فيه عندما نشاهد رقم الميزانية على الشاشة:

الميزانية ليست عملية جمع فقط.. إنها عملية اختيار.

فكل ريال يمكن أن يذهب إلى أكثر من مكان، والموازنة بين الصحة والتعليم والأمن والبنية التحتية والخدمات والمشروعات والالتزامات الأخرى هي في النهاية ترجمة مالية لأولويات الدولة.

لكن هناك نصفًا آخر من المعادلة أكثر إثارة للاهتمام: كيف تعرف الدولة أصلًا كم ستدخل خزائنها العام المقبل؟

الحقيقة أنها لا تعرف. إنها تقدّر.

في السعودية تأتي الإيرادات من مصادر نفطية وغير نفطية، تشمل الضرائب والرسوم وغيرها. وتبني الدولة تقديراتها في ضوء أداء الاقتصاد والسياسات المالية والتوقعات والمخاطر المتاحة وقت إعداد الميزانية.

وهذا يعني أن الدولة في ديسمبر تضع خطة لعام كامل، بينما لا أحد يعرف بدقة كيف سيكون الاقتصاد بعد ستة أو تسعة أشهر.

وهنا الفرق المهم بين الميزانية والحساب الختامي. الأولى تقول: هذا ما نتوقع أن يحدث. والثاني يخبرنا: هذا ما حدث بالفعل.

ولدينا مثال قريب جدًا. عند إعداد ميزانية 2025، كانت الإيرادات المقدرة نحو 1.184 تريليون ريال والمصروفات 1.285 تريليون، بعجز متوقع يقارب 101 مليار ريال. لكن مع مرور العام تغيرت الصورة، وأصبحت تقديرات 2025 الواردة في بيان ميزانية 2026 تشير إلى إيرادات بنحو 1.091 تريليون ريال ومصروفات 1.336 تريليون، وعجز يقارب 245 مليار ريال.

لم تتغير طريقة الطرح والجمع. الذي تغير هو الواقع. فالاقتصاد يتحرك، وأسعار الطاقة تتغير، والنشاط الاقتصادي يرتفع وينخفض، وقد تتغير وتيرة تنفيذ بعض المشروعات والمصروفات. ولهذا لا تنتهي الميزانية يوم إعلانها؛ بل تبدأ بعدها مرحلة التنفيذ والمتابعة والتقارير الدورية، ثم نصل لاحقًا إلى النتائج الفعلية.

والآن أصبح من السهل أن نعود إلى سؤال ذلك الابن:

كيف تكون السعودية دولة غنية وتسجل ميزانيتها عجزًا؟ لأننا نخلط أحيانًا بين ثروة الدولة وميزانية سنة واحدة.

العجز لا يعني أن الدولة فقدت ثروتها أو أن خزائنها فرغت. يعني ببساطة أن مصروفاتها خلال الفترة تتجاوز إيراداتها. وفي ميزانية 2026 تتوقع المملكة إنفاق 1.313 تريليون ريال مقابل إيرادات 1.147 تريليونًا؛ والفرق بينهما هو العجز المتوقع.

وهذا الفرق يحتاج إلى تمويل، وهنا يأتي الاقتراض وغيره من أدوات التمويل. أما الدين العام فليس هو العجز؛ العجز فرق يحدث خلال فترة، بينما الدين هو رصيد الاقتراض القائم والمتراكم. وتقدر ميزانية 2026 الدين العام بنحو 1.622 تريليون ريال، أي 32.7% من الناتج المحلي الإجمالي.

وهنا أيضًا لا تكفي معرفة الرقم وحده. فقراءة الدين اقتصاديًا ترتبط بحجمه مقارنة بالاقتصاد، وتكلفة خدمته، ومساره، وقدرة المالية العامة على تحمله.

لكن أكثر ما شدني وأنا أعود إلى الأرقام القديمة هو أن الميزانية تستطيع أن تحكي لنا كيف تغيرت الدولة نفسها.

في 2015، قدرت المملكة إيراداتها بنحو 715 مليار ريال ومصروفاتها بـ 860 مليارًا. وبعد أحد عشر عامًا، نتحدث عن إيرادات مقدرة بـ 1.147 تريليون ريال ومصروفات بـ 1.313 تريليون.

ليست القصة أن الأرقام أصبحت أكبر فقط. خلال تلك السنوات تغير حجم الاقتصاد، وتطورت الإيرادات غير النفطية، وتغيرت السياسات والأولويات والبرامج التي تمولها الميزانية.

وهنا تصبح الميزانية أكثر من جدول مالي. فإذا أردت أن تعرف إلى أين تتجه دولة، فإن النظر إلى أين تجمع مواردها وأين تنفقها يخبرك بالكثير.

وعندما انتهى النقاش في ذلك المجلس، أدركت أن سؤال الابن لم يكن يحتاج إجابة من سطر واحد. كان يحتاج أن نفكك رقمًا نراه كل عام ونعتقد أننا نفهمه.

وفي المرة المقبلة التي نقرأ فيها أن ميزانية المملكة حققت عجزًا أو فائضًا، ربما لن نتوقف عند الكلمة وحدها. سنعرف أن وراءها رحلة بدأت قبل أشهر: تقديرات لإيرادات لم تدخل بعد، واحتياجات وأولويات تم اختيارها، وميزانية اعتُمدت، ثم اقتصاد حقيقي قد يأتي مختلفًا عما توقعناه.

وربما هذا هو أجمل ما تعلمته من سؤال بسيط في جلسة عائلية:

ميزانية الدولة لا تخبرنا فقط كم ستنفق... بل تخبرنا، بالأرقام، كيف تخطط لعام لم يبدأ بعد.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد