: آخر تحديث

الخصوصية المهدورة... والحياة المزيفة!

5
3
3

موسى بهبهاني

عندما تُهدر أسرار الحياة وخصوصياتها على وسائل التواصل الاجتماعي، يفقد الإنسان حميمية أيامه وسكينة بيته... وينقلب الحال من أحسن الحال إلى أسوأ الحال.

فعندما تتحول الأمور الخاصة إلى شأن عام، وتفقد اللحظات الصادقة قيمتها، حين تُعرض الحياة الاسرية للعلن من أجل الشهرة والإعجاب الزائف، وزيادة أعداد المتابعين، مما يفتح الباب على مصراعيه للمقارنات الوهمية والمدمرة التي تضر بسلامة واستقرار الاسرة.

وللأسف انتشرت ظاهرة غريبة على مجتمعاتنا المحافظة، حيث ابتلينا بمجاميع من البشر، يقومون بنشر تفاصيل الحياة المنزلية اليومية للعلن على منصات التواصل الاجتماعي، بهدف جمع اكبر عدد من الإعجابات!

ومنهم مَنْ يقوم باستغلال الأبناء بهدف إظهار صورة مثالية مزيفة للأسرة أمام المتابعين، متجاهلين أن نشر أسرار البيت للعلن هو سلوك ضار يخرب البيوت ويشوه السمعة، ناهيك عن نشر تلك الأمور للعلن تشمل فقدان الخصوصية الأسرية.

فنجد:

- الزوجة التي تفتخر باستمرار بجهودها، وتمنّ على زوجها بما قدمته.

- الزوج الذي يدّعي المحافظة على أسرته مستخدماً الزيف الاجتماعي لتحسين صورته أمام الناس وليس لراحة أسرته وحمايتها.

- منهم مَنْ يحتفل بالطلاق!

- وبشراء الكماليات!

- وآخر يظهر الخلافات الأسرية والسب والقذف للعلن!

- أخرى تعلن طلاقها!

وبعد ذلك تعلن عودتها إلى زوجها!

فقدت بيوتنا خصوصيتها وأسرارها، وأصبحت وسائل التواصل منصة مفتوحة لعرض أسرار البيوت والخلافات الزوجية، مما أفقد الحياة الزوجية قدسيتها، وجعلها عرضة لتدخل الغرباء بآرائهم السطحية.

وللأسف، تُعد ظاهرة متابعة تلك الأمور من - التفاهات - عبر منصات التواصل، خطراً يهدد الوعي الجمعي للمجتمعات، إذ تؤدي إلى تشتيت الانتباه، وإهدار الوقت في محتوى سطحي، وتقويض المعايير الموضوعية للقيم والمعرفة لصالح الإثارة الرخيصة.

وما ينشره - هؤلاء - من محتوى سطحي أو فارغ لا يعبّر بالضرورة عن اهتمامات عامة الناس الحقيقية، ولا ينبغي اعتباره مقياساً للوعي المجتمعي في مجالات عدة سواء كانت اجتماعية او فنية او رياضية!

فمن المحال أن تجتمع الثقافة والتفاهة في آن واحد.

يجب علينا الحذر التام في التعامل مع هؤلاء الأشخاص، ووضع حدود صارمة لحماية الحياة الخاصة، فالستر أمان والسكون نعمة.

الأمسيات الغنائية

نجد بعض المغنين يقوم بحركات خارجة عن الآداب العامة مثيراً للاشمئزاز، ناهيك عن قيافته التي لا تليق، ومغنية لا تلتزم الحشمة فنجدها عارية كاسية!

أليس من شروط وضوابط الحفلات:

1 - منع القيافة غير اللائقة على المسرح.

2 - المتابعة والمراقبة والمحاسبة للجهات المنظمة واتخاذ القرارات الصارمة في حال التجرؤ على إقامة هكذا حفلات منافية للأخلاق التي جُبلت عليها مجتمعاتنا المحافظة.

3 - سحب تراخيص الحفلات ومنع الجهة المخالفة من التصاريح المستقبلية عند كسر هذه القواعد.

- انتشار ثقافة التفاهة في المجتمع

تستضيف بعض المحطات الإعلامية ووسائل التواصل الإخبارية الخاصة، أصحاب المحتوى السطحي بهدف رئيسي هو:

1 - تحقيق أرباح مادية.

2 - زيادة التفاعل لرفع نسب المشاهدة.

3 - جذب الإعلانات عبر استغلال المتابعين.

4 - صناعة الإثارة مما يتحول -هؤلاء - إلى سلعة رابحة بغض النظر عن القيم الاجتماعية.

القدوة المفقودة

‏على مرّ التاريخ، كان الناس يبحثون عن القدوة من العلماء والمصلحين من أهل الحكمة والمعرفة، فهؤلاء هم الذين يُنيرون العقول، ويقودون المجتمعات نحو النهوض والرقي، أما اليوم، فقد تغيّرت المعايير، وأصبحت الشهرة لا تُبنى على العلم والفكر، بل على الجدل والإثارة والتعري والاستعراض.

‏المشكلة ليست في وجود المؤثرين، بل في ما يروّج له بعضهم من محتوى تافه وفارغ يُضعف الوعي بدل أن يبنيه، وفي المقابل يواجه المفكرون والمربّون صعوبة في الوصول إلى الناس، لأن بعض المنصات الرقمية تفضل المحتوى السريع والخفيف، على الفكر العميق والمحتوى الهادف.

‏إن هذه الظاهرة تطرح علينا سؤالاً جوهرياً:

كيف نحمي عقولنا وعقول أبنائنا من أن تتحوّل إلى ساحة يعبث بها التافهون؟

وكيف نعيد الاعتبار للقدوة الحقيقية التي تبني، بدل أن تهدم؟

ختاماً

«إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ»

فالتقوى والاعتدال هما الطريق الصحيح، ومن هنا لابد من تكامل الدور التثقيفي بين الاسرة والمدرسة ووسائل الإعلام، وتضافر الجهود نصحاً وإرشاداً ومتابعة، فينبغي أن تكون تلك الوسائط أدوات في أيدينا نستخدمها ولا تستخدمنا، نملكها ولا تملكنا، نتعامل معها بقدر الحاجة، ولا نستسلم لما تفرضه علينا من قيم دخيلة، ولا يتم ذلك إلا بالرقابة الذاتية والوعي الصحيح لكيفية التعاطي معها، فهي جمعت بين طياتها الخير والشر والصالح والطالح والنافع والضار، فلابد من التحذير والتنبيه والاحتراز الشديد حال تصفحنا ومتابعتنا لتلك المواقع، خصوصاً أبناءنا الشباب، حتى لا تنزلق الأقدام، ويأتي الشر من وراء الخير... ولا تتحوّل النعمة إلى نقمة.

اللهم احفظ الكويت آمنة مطمئنة، والحمد لله رب العالمين.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد