ليس من السهل إجبار أمة، ولا سيما إذا كانت ذات تاريخ عريق وحضارة ممتدة، على ارتداء قميص جماعة سياسية لا تمتلك من التاريخ إلا نصيباً ضئيلاً.وهذا ما تشهده أفغانستان، التي تحكمها حركة "طالبان" ذات الخلفية الدينية والقبلية. فقد بدأ معارضون أفغان يرفعون شعار "الموت للإمارة الإسلامية"؛ تعبيراً عن رفضهم للنظام السياسي الذي فرضته الحركة، والذي جرّ عليهم الظلم والاستبداد، في ظل مبدأ الولاء والبراء الذي أرسته بوصفه عقداً اجتماعياً ينظم العلاقة مع السلطة الحاكمة، التي تصف معارضيها بالمنافقين، دون اكتراث بقواعد الحكم الرشيد أو مبادئ الديموقراطية.صحيح أن "طالبان" تمارس نوعاً من الهندسة السياسية للحفاظ على بقائها في السلطة، لكنها، ما دامت عاجزة عن إدارة الداخل، وتراهن بدلاً من ذلك على مصالحها مع القوى الإقليمية وبناء شبكة من الحلفاء في محيطها، فإن استقرارها يظل موضع شك. ذلك أن محاولة استنساخ تجارب الأنظمة المستبدة، تحت شعار مصلحة الأمة واستقرار الوطن، تتطلب مقومات داخلية داعمة، قائمة على التعددية والتنوع، فضلاً عن تحييد تأثيرات الاستقطاب الخارجي."طالبان" واحدة من الجماعات التي وُلدت بدعم أميركي وإقليمي لمواجهة الزحف السوفياتي في المنطقة، ثم نمت وتعزز نفوذها طوال سنوات الاحتلال الأميركي لأفغانستان، حتى عادت إلى السلطة بمجرد الانسحاب الأميركي في آب/ أغسطس 2021. وإن كانت قد حرصت على احتكار السلطة لنفسها، وطاردت الجماعات المعارضة، حتى في ولاية بنجشير، فإن ذلك لا يعني استقرار الحكم في يدها من دون أدنى مقاومة؛ وإلا لما استمرت، حتى الآن، في رفض الانتقال إلى مرحلة سياسية جديدة عبر صناديق الاقتراع والديموقراطية، لأنها تخشى أي تغيير قد يطيح بسلطتها.لكن النار تأكل نفسها أيضاً، فالانقسامات داخل حركة "طالبان" وحدها كفيلة بإضعافها؛ إذ تشهد الحركة تباينات متزايدة حول توزيع السلطة، وإدارة الدولة، والعلاقات الخارجية، والسياسات الاجتماعية. وهذه الخلافات أكثر وضوحاً بين جناح قندهار، بقيادة أمير الإمارة الملا هبة الله أخوند زاده، الذي يحكم من قندهار، ويتركز القرار في يده، ويتبنى نهجاً دينياً متشدداً، ويعارض أي تنازلات للضغوط الدولية، ولا سيما في ما يتعلق بتعليم المرأة وحقوقها، وبين شبكة حقاني، بقيادة وزير الداخلية سراج الدين حقاني، التي تُصنف بأنها أكثر براغماتية، وتدعو إلى قدر من الانفتاح الخارجي، وتوسيع صلاحيات الحكومة في كابول، وتخفيف بعض القيود التي أدت إلى عزلة أفغانستان.والمتطرفون كالنار درجاتٌ، فإن رجل الدين المتشدد في ولاية بنجشير، الملا يحيى عنابي، هاجم حكومة "طالبان"، واتهمها بأنها فُتنت بالدنيا ومفاسدها، لأنها تُرسل رجالها الموثوقين لإدارة الولايات بدلاً من الاعتماد على السكان المحليين، قائلاً: "بدلاً من التسبيح بحمد الله، يُسبحون بحمد الملا هبة الله!".
سقوط أسطورة طالبان أفغانستان التي لا تقهر!
مواضيع ذات صلة

