يتداول بعض اللبنانيين عبارةً تختصر عقودًا من الجدل بكلمات قليلة: "في كل العالم تولد المقاومة بعد الاحتلال، إلا في بلادنا فإنها تأتي بالاحتلال"، قد تبدو قاسية، لكنها توصيفٌ دقيق لعواصم اختُطف فيها المعنى، فالمقاومة في أصلها استجابةٌ لاحتلال تنتهي بانتهائه، أما حين يصير السلاح غايةً بذاته، وبوصلتُه عاصمةً إقليمية لا مصلحةَ وطن، فإنه يغدو الباب الذي تدخل منه النار، لا الدرع الذي يردّها.
في بغداد بلغ السؤال لحظته الحاسمة: وضعت الدولة مهلةً لحصر السلاح بيدها، فجاء ردّ الفصائل الولائية جاهزًا سلفًا: "تنظيم" السلاح لا تسليمه، أي إبقاء البندقية وتغيير اسم الغرفة التي تُخزَّن فيها. هكذا تتحول السيادة إلى مادة تفاوض، ويُختصر العراقيون إلى شهود على مساومة بين دولة تملك الشرعية وفصائل تملك القوة، وتقبض رواتبها من ميزانية الدولة التي تنازعها هيبتها.
وفي بيروت تكتمل المفارقة: سلاحٌ احتُفظ به بعد تحرير الجنوب عام 2000 بذرائع تتجدد كلما سقطت واحدة، حتى أُطلقت صواريخه ثأرًا لطهران، فدفعت العاصمة الثمن قصفًا ودمارًا عن قرارٍ لم يُستشر فيه أحد، واليوم تُعقد الاجتماعات الدولية لدعم الجيش اللبناني وتمكينه من بسط سلطته شمال الليطاني، أي أن الدولة صارت تستنجد بالعالم ليموّل جيشها كي يقوى على نزع سلاحٍ قُدِّم لها طويلًا بوصفه ضمانتها وبديلها.
أما صنعاء فأسقطها الحوثيون باسم صدّ عدوان لم يقع، ثم صنعوا بانقلابهم الحربَ التي زعموا أنهم قاموا لمنعها، وحوّلوا البحر الأحمر منصة استعراض لمشروع إقليمي دفع اليمنيون فاتورته جوعًا وحصارًا وعزلة، فصار بلدهم ورقةً تُرفع وتُخفض بحسب حاجة طهران، لا بحسب حاجتهم إلى الخبز والدواء، وليست غزة إلا أحدث بضاعة في هذه السوق، فباسم "إسنادها" فُتحت جبهات لم تحرر شبرًا، وزادتها خرابًا فوق خرابها.
وفي المقابل، ثمة ملفٌّ واحد أُغلق فعلًا، فحزب العمال الكردستاني، الذي تاجر أربعة عقود باسم القضية الكردية وجرّ جبال كردستان وقراها إلى حروب لم تجنِ القضية منها شيئًا، أعلن حلّ نفسه، وأحرق أولى دفعات سلاحه قرب السليمانية، ودخلت أنقرة مسارًا تشريعيًا لطيّ الصفحة، والمفارقة أن القضية لم تخسر شيئًا حين نزل السلاح، بل بدأت تُحسب سياسيًا بعد أن كانت تُحصى بالضحايا. الدرس صريح: حين تُنهي المقاومة مهمتها بيدها تبقى القضية، وحين تُبقي سلاحها بعد انتفاء مهمته تأكل القضية وحاملها معًا.
من بيروت إلى بغداد وصنعاء خيطٌ واحد: بوصلة السلاح لا تشير إلى القدس كما يقول الشعار، بل إلى طهران كما تقول الوقائع، وحين تحتاج طهران، تحترق بيروت وتُبتز بغداد وتُحاصر صنعاء، فالمشكلة ليست في قدسية فكرة مقاومة الاحتلال، بل في تحويلها شعارًا يمنح الشرعية لكل شيء: للانقسام، ولانهيار المؤسسات، ولارتهان القرار الوطني لعاصمة خارج الحدود.
وعندها يصبح السؤال مشروعًا: هل ما زال هذا السلاح يخدم الوطن، أم أصبح الوطن مطالبًا بأن يخدم السلاح؟
إن المقاومة التي لا تنتهي بانتهاء مهمتها تتحول، شاءت أم أبت، إلى نسخة محلية من الاحتلال الذي قامت لطرده.
وأخيرًا، صفّوا نياتكم، فالمقصود هنا، كما تعلمون، ليس الميليشيات!


