: آخر تحديث
لا يحتاج إلى غزو دولة كي يهدد العالم:

الأخطر من صدام حسين

4
4
3

عندما يُذكر صدام حسين في سياق الحديث عن أخطر الأنظمة التي عرفتها المنطقة، فإن غزو الكويت في 2 آب (أغسطس) 1990 يبقى نقطة التحول الأساسية التي نقلت نظامه من كونه مشكلة إقليمية إلى هدف مباشر لتحالف دولي واسع. فقد أدان مجلس الأمن الغزو وطالب بالانسحاب الفوري، ثم فرض عقوبات اقتصادية شاملة، قبل أن تقود الولايات المتحدة تحالفًا عسكريًا لتحرير الكويت.

لكن المقارنة بين صدام حسين ونظام الملالي تقود إلى نتيجة أكثر خطورة: صدام كان خطرًا على المنطقة، أما نظام الملالي فقد بنى منظومة تجعل الخطر عابرًا للحدود والقارات.

لم يكن صدام بلا ملفات أخرى، فقد كان سجله حافلًا بالقمع والحروب والانتهاكات، كما أن قضية أسلحة الدمار الشامل أصبحت لاحقًا محورًا أساسيًا في المواجهة الدولية مع نظامه. لكن غزو الكويت ظل الجريمة التي وحدت الموقف الدولي ضده، ووفرت الأساس القانوني والسياسي للعقوبات والحرب التي أخرجت قواته من الكويت.

أما نظام الملالي، فقد اختار منذ قيامه طريقًا مختلفًا وأكثر تعقيدًا. فهو لا يحتاج إلى غزو دولة مجاورة بدباباته كي يهدد أمنها، يكفيه أن يبني داخلها قوة مسلحة، أو يمدها بالصواريخ والطائرات المسيّرة، أو يحولها إلى منصة لتهديد جيرانها والممرات الدولية.

وهنا تحديدًا تكمن خطورة النموذج الإيراني.

فطهران لم تكتفِ بتصدير أزماتها إلى دول الجوار، وإنما أنشأت شبكة واسعة من الوكلاء والقوى المسلحة، تمتد من العراق إلى اليمن ولبنان وساحات أخرى، بحيث أصبح نفوذها لا يعتمد على حدودها الجغرافية بقدر اعتماده على قدرتها على تحريك الأزمات في أكثر من ساحة في الوقت نفسه.

وما يجري في اليمن اليوم يقدم دليلًا بالغ الخطورة على هذه الحقيقة. فقد تمكن الحوثيون، المدعومون من إيران، من السيطرة على ميناء المخا ومواقع استراتيجية على ساحل البحر الأحمر، في تقدم يقربهم من التحكم بمضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. والأخطر أن تقارير حديثة تحدثت عن دور إيراني مباشر في تقديم السلاح والمشورة والتوجيه للعملية الحوثية.

وهنا يتجاوز الأمر حدود السعودية أو اليمن.

عندما تصبح جماعة مسلحة مرتبطة بإيران قادرة على تهديد باب المندب، فإن المسألة لم تعد شأنًا شرق أوسطيًا محضًا. فهذا الممر يرتبط مباشرة بحركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا، وأي اضطراب فيه ينعكس على الأسواق وسلاسل الإمداد وأسعار الطاقة في أنحاء العالم. وقد بدأت التداعيات بالفعل، مع اضطراب صادرات النفط السعودية وارتفاع أسعار النفط في ظل تصاعد المخاطر على طرق الملاحة.

لكن الأخطر من الصواريخ والطائرات المسيّرة هو محاولة النظام الإيراني اللعب في بنية التحالفات الدولية نفسها.

فطهران لا تسعى فقط إلى إضعاف خصومها، وإنما إلى اختبار مدى تماسك التحالفات التي تحمي أمن المنطقة والممرات الدولية، ودفع القوى الكبرى إلى توزيع قواتها واهتماماتها على جبهات متعددة. إنها استراتيجية تقوم على صناعة الأزمات ثم استخدامها كورقة تفاوض، بحيث يصبح النظام جزءًا من المشكلة والحل في الوقت نفسه.

وهنا يجب التوقف أمام حقيقة شديدة الأهمية: كلما مُنح هذا النظام وقتًا إضافيًا للبقاء، لا يصبح أكثر اعتدالًا، بل أكثر قدرة على تطوير أدوات الخطر.

فالنظام الذي امتلك بالأمس نفوذًا محدودًا يستطيع اليوم تحريك جماعات مسلحة عبر حدود دول متعددة. والذي كان يستخدم الوكلاء لتهديد خصومه أصبح يستخدمهم لتهديد طرق التجارة والطاقة. والذي كان يلوح بأوراق إقليمية بات قادرًا على تحويل أزمات محلية إلى أزمات ذات تداعيات دولية.

ولهذا فإن انتظار أن يتغير نظام الملالي من داخله، أو أن تؤدي المساومات المتكررة معه إلى تحوله إلى قوة طبيعية في المنطقة، يبدو رهانًا بالغ الخطورة. فالمشكلة ليست في سياسة منفردة يمكن تعديلها، وإنما في منظومة ترى في عدم الاستقرار وسيلة للبقاء، وفي الوكلاء المسلحين أداة لنفوذها، وفي الأزمات الخارجية وسيلة لتخفيف أزماتها الداخلية.

ومن هنا يصبح عنوان "الأخطر من صدام حسين" أكثر من مجرد مقارنة، إنه تحذير من خطأ تاريخي قد تكون كلفته باهظة.

لقد دفع العراق ثمن غزو الكويت، ودفع صدام ثمن قراره ثمنًا سياسيًا وعسكريًا هائلًا. أما نظام الملالي، فقد تعلم من تلك التجربة شيئًا مختلفًا: ألا يرسل جيشه بالضرورة إلى الدول الأخرى، بل أن يرسل نفوذه وسلاحه ووكلاءه إليها.

وهذا بالضبط ما يجعل مواجهته أكثر تعقيدًا.

إن ما يحدث في اليمن ليس حادثًا معزولًا، ولا ينبغي التعامل معه كأزمة يمنية عابرة. إنه إنذار بأن النظام الإيراني، كلما وجد فرصة للبقاء وإعادة بناء قدراته، سيحاول استخدامها لتوسيع مساحة نفوذه ورفع كلفة مواجهته.

لذلك فإن تأجيل الحسم لا يعني بالضرورة شراء الاستقرار، قد يعني ببساطة منح الخطر وقتًا كي يصبح أخطر.

والسؤال الذي ينبغي أن يواجهه العالم اليوم ليس: كيف نمنح نظام الملالي فرصة أخرى للبقاء؟

بل: كم مرة يستطيع العالم أن يمنح نظامًا واحدًا فرصة أخرى، قبل أن تصبح كلفة بقائه أكبر من كلفة تغييره؟

فإذا كان صدام حسين قد هدد المنطقة بغزو دولة، فإن نظام الملالي أثبت أنه قادر على تحويل دول وممرات بحرية وجماعات مسلحة وتحالفات دولية إلى أوراق في لعبة واحدة. وهذه لعبة، إن لم تتوقف، فلن تدفع المنطقة وحدها ثمنها، العالم كله قد يجد نفسه، عاجلًا أم آجلًا، يدفع الفاتورة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.