في مقاعد الدراسة في المراحل المختلفة، في البرامج التدريبية متنوعة المجالات، هناك أهداف أساسية تستهدفها المناهج الأكاديمية في المدارس والجامعات، وكذلك برامج التدريب التي تقدمها المراكز المتخصصة.. هذه الأهداف تتضمن الإضافة المعرفية واكتساب المهارات وتعزيز الاتجاهات الإيجابية.
أحد الأسئلة التي تطرح في هذا المجال: هل المعرفة تسبق المهارة أم يمكن اكتساب المهارة بالممارسة؟
سأجد الإجابة في صفحات التاريخ حين كان الإنسان الذي لم يلتحق بالمدرسة أو لم يكمل المرحلة الابتدائية يقوم بأعمال مختلفة دون مقدمات معرفية؛ ولكنه تعلمها بالممارسة، كان يمارس الحلاقة والنجارة، والبناء.. كان الإسكافي والمسوق، والجزار والمزارع وغيرها كثير.
هل يعني هذا إلغاء الجانب المعرفي؟
بداية، ما سبق يعني قبل كل شيء احترام وتقدير الذين مارسوا تلك المهن من منطلق الحاجة أمّ الاختراع، ومن منطلق العمل الشريف مسؤولية وثقة وسلوك يستحق أصحابه الافتخار والتقدير.
الأمر الآخر هو ما يتعلق بالسلوك، ولعلي هنا أجتهد وأقول إن ذلك الجيل كان يلتزم بقيم جعلته أنموذجا في الإخلاص والتحمل رغم صعوبة الظروف.. لم يلتحقوا ببرامج ذات أهداف محددة يجب تحقيقها في نهاية البرنامج، أهداف تتضمن الجوانب النظرية والحالات العملية التي تكسب المهارات والمحاضرات والتطبيقات التي تعزز السلوك الإيجابي. كان الميدان هو المدرسة، وكان سلوكهم قدوة وإنجازاتهم مثار إعجاب رغم الأدوات البسيطة المتوفرة لديهم.
لست في هذا المقال أقترح العودة للأساليب القديمة في أداء المهن، لكن الهدف هنا هو عرض تلك النماذج الرائعة على الجيل الجديد، ليس لتقدير أصحابها فقط -وهو تقدير مستحق- وإنما لتكون حافزا للدخول في المسارات المهنية المختلفة. سيكون من المناسب أن تكون تجارب الأجيال السابقة ضمن محتويات البرامج الدراسية، وخاصة التي يلتحق بها طلاب المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني. نعم قد لا تتضمن تلك التجارب إضافة علمية؛ لكنها تاريخ مهم كان العمل فيه بدون تقنية وبدون أجهزة حديثة، الأمر الذي يجعلها نماذج تضيف في جانب مهم وهو الحافز الذاتي والإخلاص والتحمل والافتخار بالمهنة والقدرة على التكيف مع الظروف البيئية بما يحقق جودة العمل.
كلمة ختام، إذا كانت برامج التعليم والتدريب الحديثة تتضمن الخطوات المرتبة بالتدرج التالي: معرفة، مهارة، سلوك.. فيمكن القول إنها لدى الأجيال السابقة كانت: سلوكًا، ثم مهارةً، ثم معرفةً.

