: آخر تحديث

مواطنو دولة «غوغل»

3
3
3

قبل سنوات شاع خبر عن نظام يشبه التقييم الائتماني تستخدمه الصين لتقييم مواطنيها، وتحديد مدى أهليتهم للخدمات الحكومية. هذه الأخبار غير المُدَقَّقة غذت مخيلة «العالم الحر» عن الفارق بينه وبين الدول السلطوية. في العالم الحر أفشل البريطانيون أكثرَ من مرة مقترحاتِ فرض بطاقات هوية، معتبرين إياه تجاوزاً من الدولة لحدود علاقتها بالمواطنين، ورقابة لا مبرر لها.

ثم جاء الذكاء الاصطناعي، وهو تطور نشأ في قلب العالم الحر، ليضغط زر تشغيل أوسع آلة رقابية عرفها البشر. كانت الآلة موجودة في يد الشركات ومحركات البحث ومواقع السوشيال ميديا، لكنها بقيت متفرقة بين هذا وذاك، تستلزم جهداً إضافياً لوضعها في نسق. الذكاء الاصطناعي سهل هذه المهمة؛ حيث صار قادراً في لحظة على تنسيقها لكل شخص، بتفاصيل دقيقة وقدرة على التحليل والتصنيف والتوقع، تحولت معها الآلة الرقابية المتخيلة في رواية 1964 إلى آلة متخلفة، مثيرة للسخرية.

لا تظن أن رقابة الأخ الأكبر كانت إجبارية، بينما الرقابة الحالية اختيارية. هذه مزحة من النوع السخيف. مراسلاتك تتم من خلالها، والمعاملات الحكومية والخاصة تقدَّم إليك عبرها. أذواقك في اللبس والمشاهدة وجدولك اليومي والأماكن التي تزورها وآراؤك، ومستوى خفة دمك، ومستوى السكر في دمك، ومستوى ذكائك، تحت يدها.

قبل أيام خيرني «جيميناي» بين الاحتفاظ بسجل نشاطي أو محوه. سجل نشاطي هو المدونة التي أدخل إليها فأعود إلى كل سؤال سألته داخل محادثة، باليوم والساعة. والمعيار أنني إن احتفظت به فسيكون من حق أشخاص حقيقيين في «غوغل» الاطلاع عليه لمراجعته، فاخترت محوه، لكنني فوجئت بأن «جيميناي» لم يمحُ هذا السجل فقط، بل محا كل محادثاتي السابقة المكتملة من القائمة التي تظهر على يسار الشاشة، وهي محادثات تهمني في عملي.

حين تساءلت لماذا، أخبرني بأنهم يتبعون في هذه النقطة تحديداً سياسة «الكل أو لا شيء». لا تستطيع أن تحتفظ بمحادثاتك بينما تختار ألا تُستخدم للمراجعة من قِبل أشخاص حقيقيين، رغم أن هذا الخيار موجود في تطبيقات أخرى. وتفسيري الشخصي هو أن «غوغل» في سباق محموم لإدراك منافسين تفوقوا عليه في الذكاء الاصطناعي، وهو يستخدم آلة بحثه العملاقة لهذا الغرض، فيحاصرك من كل جهة.

أزعجتني أيضاً مقارنةٌ فرعية. الدول الرقابية فعلت ما فعلت على حسابها، ودفعت تكاليفه، أما «غوغل» فيتقاضى مني ثمن رقابته لي، وهو ما جعلني أخرج من النظام المدفوع.

إن كنت تعتقد أن موضوع الرقابة العامة الشاملة لا يمسك، كوني وكونك أشخاصاً عاديين، فأنت مخطئ. سأضرب لك مثالاً بسيطاً. لديك حساب على «فيسبوك»، موثق باسمك وصورتك، ليس عليه عقوبات، ويعمل بشكل عادي، ولديك في الوقت نفسه مشروع خاص، وفكرت أن تنشر له إعلاناً على «فيسبوك»، لكن «فيسبوك» فاجأك بأنك محظور من الإعلان. لن تعرف السبب، ولا كيفية الخروج من الحظر، لكن الألغوريزم المدعوم بالذكاء الاصطناعي اكتشف أنك قبل 10 سنوات علقت تعليقاً لا يناسب سياسة المحتوى.

في الحياة الواقعية، لا يفرض عليك حظر مثل هذا إلا على مخالفة واضحة وقوية، وسيكون لعقابك أمد محدد، ولديك جهة ثالثة تلجأ إليها في النزاع. لن تقول لك شركة إنك تفوهت في حوار مع شخص بجملة مخالفة للقواعد، أما في دولة «البيغ تك» فربما أخطأ الذكاء الاصطناعي، بسبب اللغة، في فهم تعليق ساخر، أو مزحة، وهذا كل ما يحتاج إليه كي يعاقبك.

هل تذكرت رواية «المزحة» لميلان كونديرا؟ ليست مزحة. لقد تحولت شركات «البيغ تك»، مع الذكاء الاصطناعي، إلى دولة رقابية من الباطن، بينما تتصرَّف دول العالم الحر بتكاسل تشريعي مثير للريبة. لا تحاول كسر الاحتكار، ولا تحاول حماية الخصوصية وإلزام تلك الشركات بحدود القانون.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد