: آخر تحديث

سلطان القاسمي... رحمة وفكرة

2
1
2

حسين الراوي

إن الحديث عن دور الحاكم في نهضة الأوطان ليس حديثاً عن سلطة تُدار، بل عن رؤية تُصاغ، وعن وعي يُبنى، وعن إنسان يُعاد تشكيل حضوره في التاريخ. فالأوطان لا تُقاس فقط بما تمتلكه من عمران، بل بما تمتلكه من فكر، وبما تُنتجه من معرفة، وبما تُؤمن به من قيمة الإنسان بوصفه جوهر التنمية وغايتها.

وفي هذا الإطار، تتجلى تجربة الشيخ سلطان بن محمد القاسمي، حاكم إمارة الشارقة، بوصفها تجربة حكمٍ استثنائية تجاوزت حدود الإدارة التقليدية إلى فضاء أوسع، حيث تتحول الثقافة إلى مشروع دولة، والمعرفة إلى سياسة، والكتاب إلى ركيزة في بناء الإنسان. فمنذ توليه الحكم عام 1972، تشكلت ملامح رؤية طويلة المدى، قوامها أن نهضة المجتمعات تبدأ من العقل قبل العمران، ومن الوعي قبل البنيان.

ولذلك لم تكن الشارقة مدينة تُدار فحسب، بل فكرة تُبنى على مهل، وتتشكل عبر الزمن. فكانت المؤسسات الثقافية عنواناً لهذه الفكرة، من بينها دائرة الثقافة في الشارقة، ومعرض الشارقة الدولي للكتاب الذي انطلق عام 1982 ليصبح أحد أبرز المعارض الثقافية في العالم العربي، وبينالي الشارقة للفنون الذي تأسس عام 1993، ومهرجان الفنون الإسلامية الذي انطلق عام 1998، وهي جميعها محطات رسخت حضور الإمارة كمركز ثقافي عالمي متجدد.

وإذا كانت الثقافة هي القلب النابض لهذه التجربة، فإن التعليم والبحث العلمي شكّلا جناحها الآخر. فقد تطورت المدينة الجامعية في الشارقة لتضم مؤسسات أكاديمية رائدة مثل جامعة الشارقة والجامعة الأمريكية في الشارقة، لتغدو بيئة علمية متكاملة تجمع بين المعرفة والتطبيق، وتفتح آفاقاً واسعة للأجيال القادمة.

وفي بعدٍ أكثر هدوءاً وعمقاً، تتجلى فلسفة المشروع الثقافي في تفاصيل الحياة اليومية للناس؛ في الكتاب الذي يصل إلى بيت الأسرة، وفي الطفل الذي يُمنح أول علاقة له مع القراءة قبل أن يخط كلماته الأولى، وفي المبادرات التي جعلت من الثقافة حقاً عاماً لا امتيازاً نخبوياً، كما في مبادرة «ثقافة بلا حدود» التي وزعت مكتبات منزلية على آلاف الأسر، ومشروع «كتابي الأول» الذي رسخ علاقة مبكرة بين الطفل والكتاب.

أما على مستوى الذاكرة والتراث، فإن معهد الشارقة للتراث يمثل أحد أهم أعمدة هذا المشروع، بوصفه مؤسسة علمية تُعنى بحفظ الموروث الثقافي الإماراتي والخليجي، وتوثيق الحكايات الشعبية والعادات والتقاليد والأمثال، وإعادة تقديم التراث بوصفه وعياً حياً لا ماضياً جامداً. وهو في جوهره ليس مجرد أرشيف للذاكرة، بل مساحة لإعادة فهم الذات الحضارية وصونها من التلاشي. وقد شاركتُ في أكثر من مناسبة في فعاليات أدبية أقامها ذلك المعهد، بدعوات كريمة من الإخوة القائمين عليه، وهو ما أعتزّ به تقديراً لدوره الثقافي الرائد.

وقد انعكس هذا المشروع المتكامل على المكانة الدولية للشارقة، التي نالت ألقاباً ثقافية كبرى، من بينها عاصمة الثقافة العربية عام 1998، وعاصمة الثقافة الإسلامية عام 2014، وعاصمة السياحة العربية عام 2015، وصولاً إلى اختيارها العاصمة العالمية للكتاب عام 2019 من قبل منظمة «اليونسكو»، في اعتراف عالمي بدورها في ترسيخ ثقافة القراءة والمعرفة.

ولا يمكن فصل هذا المشروع عن البعد الفكري في شخصية الشيخ سلطان القاسمي، الذي جمع بين الحكم والتأليف والتوثيق، فكانت مؤلفاته امتداداً طبيعياً لرؤيته التاريخية والمعرفية، ومن أبرزها: «سرد الذات»، «حديث الذاكرة»، «حصاد السنين»، «إني أدين»، «محاكم التفتيش»، «القواسم والعدوان البريطاني (1797 - 1820)»، «تحت راية الاحتلال»، «صراع القوى والتجارة في الخليج (1620 - 1820)»، «تقسيم الإمبراطورية العمانية»، و«مراسلات سلاطين زنجبار»، وهي أعمال تعكس منهجاً توثيقياً صارماً في قراءة التاريخ وإعادة تقديمه من مصادره الأصلية.

وهكذا تبدو تجربة الشارقة اليوم، ليست مجرد تجربة تنموية أو ثقافية، بل حالة فكرية متكاملة، قوامها أن الحاكم حين يؤمن بالمعرفة، يتحول الحكم إلى رسالة، وتتحول المدينة إلى كتاب مفتوح، وتتحول الثقافة إلى مصير جماعي يُعاد كتابته جيلاً بعد جيل.

إنها تجربة تُعيد طرح سؤال جوهري على الواقع العربي: ماذا يحدث حين تُصبح الثقافة خيار دولة، لا نشاطاً جانبياً؟ وماذا يحدث حين يُنظر إلى الإنسان لا بوصفه هدفاً للتنمية فحسب، بل بوصفه أصلها ومعناها الأعمق؟

وهنا تحديداً، تتجلى الشارقة بوصفها نموذجاً لفكرة تتقدم بهدوء، لكنها تترك أثراً لا يُمحى: فكرة أن البناء الحقيقي يبدأ من العقل، وأن الحضارة لا تُقاس بما يُشيَّد، بل بما يُفكَّر فيه ويُؤمن به ويُورَّث للأجيال.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد