تدخل الحرب في أوكرانيا مرحلة مالية أكثر ثقلًا على أوروبا. المساهمة الأميركية المباشرة تقلصت، فيما ارتفعت حصة الأوروبيين في تمويل السلاح والموازنة الأوكرانية معًا. وفي قمة أنقرة في تموز (يوليو) 2026، أعلن حلف شمال الأطلسي (الناتو) أن الحلفاء الأوروبيين وكندا باتوا يمولون الغالبية العظمى من المساعدات الأمنية لأوكرانيا، وتعهد الحلفاء بتقديم 70 مليار يورو من المعدات والتدريب والمساندة العسكرية خلال 2026، مع مستوى مماثل على الأقل في 2027.
الاتحاد الأوروبي ودوله قدّموا منذ شباط (فبراير) 2022 نحو 220.2 مليار يورو لأوكرانيا، بينها 88.7 مليارًا دعمًا عسكريًا. ومع استمرار الحرب، تتسع الفاتورة لتشمل تمويل الدولة الأوكرانية، وإعادة ملء المخزونات الأوروبية، وشراء أسلحة أميركية لكييف، وخدمة ديون جديدة تُجمع في الأسواق باسم الاتحاد.
من يدفع الفاتورة؟
أكبر خطوة مالية جاءت عبر قرض الاتحاد الأوروبي البالغ 90 مليار يورو لأوكرانيا في 2026 و2027. يخصص منه 30 مليارًا لدعم الموازنة والاقتصاد و60 مليارًا للقدرات الدفاعية وشراء المعدات. التمويل يأتي من اقتراض الاتحاد في أسواق المال ومضمون بهامش الموازنة الأوروبية. أما السداد، فمرتبط بتعويضات روسية مستقبلية، بينما تتحمل موازنة الاتحاد كلفة الفوائد والنفقات المرتبطة بالقرض.
حتى هذا القرار كشف حدود التوافق. القرض مرّ عبر آلية "التعاون المعزز" بمشاركة 24 دولة فقط، بعد استبعاد التزامات مالية عن تشيكيا والمجر وسلوفاكيا. أوروبا وجدت صيغة تسمح للتمويل بالاستمرار، لكنها نقلت جزءًا من عبء الحرب إلى دين مشترك وموازنات مستقبلية، في وقت تواجه فيه حكوماتها ارتفاعًا في كلفة الاقتراض.
وتبحث بروكسل عن موارد أخرى عبر الأرباح المتأتية من نحو 210 مليارات يورو من أصول البنك المركزي الروسي المجمدة. استخدام أصل هذه الأموال يواجه اعتراضات قانونية ومالية، فيما تطالب كييف بتوسيع الاستفادة منها لسد احتياجاتها المتزايدة.
الأرقام الأوكرانية تفسر حجم الاعتماد. صندوق النقد الدولي يقدّر فجوة التمويل بين 2026 و2029 بنحو 140.3 مليار دولار، بينها 55.4 مليارًا هذا العام و43.4 مليارًا في 2027. مساهمة الاتحاد الأوروبي المتوقعة تبلغ 105.1 مليار دولار خلال الفترة نفسها. بهذا الحجم، يرتبط تشغيل الدولة الأوكرانية واستمرار حربها بتدفق أموال خارجية منتظمة لسنوات.
الضغط يزداد لأن كييف تطلب المزيد قبل إغلاق الفجوات السابقة. في أيلول (سبتمبر)، تحدث مسؤولون أوكرانيون عن حاجة إضافية تقارب 27 مليار يورو للدفاع خلال 2026. وفي الداخل، تعثرت إصلاحات مرتبطة بالتمويل الخارجي. صندوق النقد قال في تموز (يوليو) إن تنفيذ الإصلاحات الهيكلية تباطأ، مع تأخر أو تعثر عدد من المعايير، فيما فشل البرلمان مطلع أيلول (سبتمبر) في تمرير ضريبة على الطرود المستوردة مرتبطة بفتح تمويل من الصندوق والاتحاد. تصبح المفارقة ثقيلة على الأوروبيين حين تطلب كييف عشرات المليارات من الخارج، بينما تواجه صعوبة في تمرير إجراءات لزيادة إيراداتها المحلية.
سلاح أميركي بأموال أوروبية
يتسع العبء في الجانب العسكري. عدد من القدرات الحيوية يبقى مرتبطًا بالمصانع الأميركية، خصوصًا الدفاع الجوي والذخائر المتقدمة. لهذا برزت آلية PURL التابعة للناتو، التي يشتري عبرها الحلفاء أسلحة أميركية لأوكرانيا.
في 8 أيلول (سبتمبر)، أعلن الأمين العام للناتو مارك روته أن الحلفاء خصصوا خلال عام أكثر من 10 مليارات دولار لهذه الآلية ولمبيعات عسكرية أميركية لأوكرانيا، بينها 3.5 مليار دولار من قرض الدعم الأوروبي. وفي الأسبوع نفسه، بدأت كييف التعاقد على نحو ألف صاروخ باتريوت بدعم من الحلفاء والقرض الأوروبي، وطالبت بصواريخ إضافية من المخزونات القائمة لتغطية حاجاتها العاجلة. النتيجة أن واشنطن تحتفظ بدور المورد، بينما تنتقل نسبة أكبر من الفاتورة إلى العواصم الأوروبية.
ويتزامن ذلك مع سباق أوروبي لإعادة التسلح. وكالة الدفاع الأوروبية قدّرت إنفاق دول الاتحاد بـ418 مليار يورو في 2025، وتتوقع بلوغه 454 مليارًا في 2026، وصولًا إلى 547 مليارًا في 2029 إذا استمر المسار الحالي. كل منظومة تُرسل إلى كييف تدخل في حسابات مخزون تحتاج الجيوش الأوروبية إلى تعزيزه، وكل طلب أوكراني جديد ينافس طلبًا وطنيًا على خطوط إنتاج محدودة.
أوكرانيا تنافس الأولويات الداخلية
يصل هذا العبء إلى شعوب تواجه ضغوطًا معيشية واضحة. أحدث يوروباروميتر في ربيع 2026 أظهر أن كلفة المعيشة هي الهم الشخصي الأول لدى 52 بالمئة من الأوروبيين، والهم الوطني الأول لدى 36 بالمئة. وفي الوقت نفسه، تتوقع المفوضية ارتفاع دين الاتحاد من 82.8 بالمئة من الناتج في 2025 إلى 85.3 بالمئة في 2027، واتساع العجز من 3.1 إلى 3.6 بالمئة، مع ارتفاع فوائد الدين والإنفاق الدفاعي وكلفة حماية الأسر والشركات من صدمة الطاقة.
فرنسا تتجه إلى دين يتجاوز 118 بالمئة من الناتج وعجز يتخطى 5 بالمئة في 2026، وألمانيا وسعت الاقتراض لتمويل الدفاع والبنية التحتية، فيما تدور في دول أوروبية عدة نقاشات حول المعاشات والضرائب والإنفاق الاجتماعي. هكذا تدخل أوكرانيا مباشرة في المنافسة على موارد تطالب بها قطاعات داخلية تعاني من التضخم والطاقة والسكن والخدمات العامة.
أوروبا تملك القدرة الاقتصادية على مواصلة التمويل، لكن الكلفة السياسية تتراكم مع كل سنة إضافية. كييف تحتاج إلى عشرات المليارات لتثبيت موازنتها، وعشرات أخرى للحرب، وتطلب في الوقت نفسه صواريخ ومخزونات وتمويلًا طويل الأجل. ومع تراجع واشنطن من موقع الممول إلى موقع المورد، تتحول الحرب تدريجيًا إلى بند أوروبي دائم.
استمرار هذا المسار يعني أن المواطن الأوروبي سيدفع بصورة مباشرة أو غير مباشرة عبر ضرائب أعلى، أو دين أكبر، أو فوائد تستنزف الموازنات، أو منافسة أشد على الإنفاق الاجتماعي. وكل عام يمر من دون أفق لإنهاء الحرب يوسع الفجوة بين التزامات الحكومات تجاه كييف وما تستطيع شرحه لناخبيها في الداخل.

