ناهد الأغا
أقف أمام المملكة العربية السعودية وقفةَ متأملٍ يرى في ملامحها حكاية تمتد جذورها في عمق الزمن، فهي دولة قامت على التوحيد، ونهضت عبر ثلاثة أدوار تاريخية تفتح أمامي أفقاً لفهم تلك العلاقة العميقة بين الأمن وبناء الدولة، وحين جاء مؤتمر «حوار الأمن والتاريخ 2026»، شعرت أنه يلامس سؤالاً ظل يشغلني طويلاً: كيف يتشكل الوجدان الوطني في أمة تجد في الأمن أساس وجودها، وفي التاريخ ذاكرة هويتها؟
وحين أقرأ مقولة معالي مدير الأمن العام: «الأرض لا يوحدها الامتداد الجغرافي وحده، إنما يوحدها سلطان يحميها، ونظام يحكمها، وأمن يجعل الانتماء إلى الدولة حقيقة يلمسها الإنسان في حياته وماله وطريقه ومستقبله»، أجدني أمام حقيقة دولة متكاملة، تكشف عن رؤية تتجاوز المفهوم الضيق للأمن إلى أفق أرحب؛ فالأمن في المملكة منظومة قيمية تمتد من حماية الحدود إلى حماية الشعور بالانتماء، ومن صيانة الأرض إلى صيانة الطمأنينة في قلب الإنسان، يحمي فكرة الوطن في الوجدان، ويحفظ قدرته على أن يحلم بمستقبله، وحين يتحول الأمن إلى حقيقة ملموسة في حياة الناس، يتحول الانتماء من شعار يُرفع إلى شعور يُعاش في تفاصيل الحياة اليومية، والجمع بين الأمن والتاريخ في سياق واحد يكشف عن وعي معرفي متقدم؛ لأن التاريخ يمنح الأمنَ ذاكرتَه، والذاكرة تمنح الأمنَ مشروعيتَه، والأمة التي تفقد ذاكرتها تفقد قدرتها على فهم حاضرها، وتغدو عرضة للتشكيك في منجزاتها ،وحين يُروى تاريخ المملكة العربية السعودية بوصفه قصة أمن وتحضر، يتحول هذا التاريخ إلى مصدر وعي نابض؛ فالأمن السعودي إرث حضاري متوارث، تتناقله الأجيال جيلاً بعد جيل، ويشكل نسيجاً أصيلاً في الهوية الجمعية….
ومن أبرز ما لامسني في هذا المؤتمر مفهوم «الأمن الثقافي»؛ فهذا المفهوم ينقلنا من الحماية المادية إلى الحماية الرمزية، ومن حماية الأرض إلى حماية الذاكرة والهوية والقيم…
لقد جاء مؤتمر «حوار الأمن والتاريخ 2026»، الذي تنظمه وزارة الداخلية تحت رعاية صاحب السمو الملكي الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف حفظه الله، تحت شعار «تاريخنا ومستقبلنا.. أمن ونماء»، وهو شعار يختصر المسيرة، ويربط الماضي بالحاضر، ويمنح المستقبل شرعيته من عمق الجذور، وقد صنع مئة وستون متحدثاً ثراءً معرفياً نادراً، تتقاطع فيه الرؤى وتتكامل؛ فالأمن حين يُفهم من زاوية التاريخ يكشف عن جذوره العميقة في التجربة السعودية، والتاريخ حين يُقرأ بمنظار الأمن يبوح بدلالاته الحضارية، والهوية الوطنية تنسج من خيوط الاثنين معاً..
لقد استعرض المشاركون مراحل بناء الدولة من عهد الملك عبدالعزيز، طيب الله ثراه، حتى العهد الزاهر لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، حفظهما الله ،بأصوات خبراء ومختصين من داخل المملكة وخارجها؛ فتناول المؤتمر مساري الأمن والتنمية، وناقش الهوية الوطنية وقيم المواطنة، واستعرض تطور منظومة الأمن منذ الدولة السعودية الأولى حتى الحاضر، كما وأكد المشاركون أهمية الأمن ركناً في بناء مؤسسات الدولة، وناقشوا الوعي الوطني والأمن الثقافي، وإسهام البيئة الآمنة في دعم الاستثمار وجودة الحياة..
وتحدثت سمو الأميرة لولوة بنت فيصل حفظها الله عن تاريخ المملكة وما بذله قادتها في التنمية والاستقرار، بينما تناول معالي الأمين العام لهيئة كبار العلماء الدكتور فهد الماجد المقاصد الشرعية التي قامت عليها الدولة في إرساء العدل والمساواة، وأثر ذلك في التماسك الاجتماعي ودعم التنمية، وناقشت جلسة «المواطنة والاعتزاز بالهوية» وحدة الوطن ومستهدفات «رؤية السعودية 2030» وانعكاساتها على جودة الحياة، واختتمت الجلسات بحوار «العدالة.. أساس سعودي أصيل»، فتجلت العدالة حجر الزاوية في المسيرة...
وفي الختام، أقف أمام هذه المسيرة وقفةَ شاهدٍ على مجدٍ يُكتب بحروف النور، أرى فيها عناية الله تظلل هذه الأرض، وتمسك بزمام هذه الدولة المباركة..
نحن المقيمين على هذه الأرض نعيش الأمن في طمأنينة الليل، ونلمس الأمان في حركة النهار، ونخطو نحو المستقبل بثقة الواثق من حاضره، المطمئن إلى غده، وهذه نعمةٌ سابغة أنعم الله بها علينا، تفيض من حدود الوطن إلى أعماق القلوب، فصارت لنا سكناً وأماناً، وظلاً وارفاً نأوي إليه، وسوراً منيعاً يحرس أحلامنا..
اللهم احفظ المملكة العربية السعودية، واحفظ قيادتها وأهلها، واجعلها حصناً للإسلام، ومنارةً للعدل، وواحةً للسلام.

