وسط تداعيات الحروب وبؤر الصراع التي يشهدها العالم هنا وهناك، تزداد أهمية المضائق البحرية، ليس في كونها روابط مائية، تصل بين يابسين، وإنما لكونها نقاط ارتكاز استراتيجية، في منظومة التجارة العالمية، يضمن الاهتمام بها وحمايتها من الأخطار والتهديدات، استمرار تدفق سلاسل الإمداد، وتوفير السلع للشعوب، وعندما تتعرض هذه المضائق إلى تهديدات أمنية من أي نوع، فعلينا أن نترقب أسوأ النتائج، التي تُربك حركة التجارة الدولية وتصيبها في مقتل، وهو ما ينعكس سلباً على استقرار الشعوب، وأمن الدول.
وتزداد أهمية المضائق البحرية، وتبلغ ذروتها في هذا المسار، حين يتعلق الأمر بتدفقات النفط والغاز، التي لا غنى عنها لدول العالم كافة، الصناعية منها وغير الصناعية، ويتجلى هذا بوضوح في الحرب الدائرة حالياً في المنطقة، حيث تواجه الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب تحديات كبيرة، أسهت في تقليل حجم السلع المتبادلة، وبالتالي تضاعفت أسعارها، وتجسد هذا في سعر النفط الذي تجاوز مائة دولار للبرميل، كما ارتفعت أسعار الغاز لتلامس ألف دولار لكل ألف متر مكعب، في إطار مشهد عام، يبعث على القلق ويثير التوجس بشأن مستقبل التجارة العالمية، وحجم التبادل التجاري وأسعار السلع.
هذا المشهد، يؤكد حقيقة جلية، بات العالم مقتنعاً بها، ويسعى للسير على نهجها، وهي أن حماية الملاحة في المضائق والممرات البحرية، لا تقع على كاهل الدول المشاطئة لها فحسب، وإنما على جميع الدول والمنظمات الدولية، التي تبحث الآن اتخاذ آليات دولية جديدة، تسهم في تهدئة الأوضاع الأمنية، وتضمن حرية الملاحة في الممرات البحرية، بما يحافظ على مصالح جميع الأطراف، ويحد من المخاطر التي تواجه حركة التجارة والطاقة، ويًجرّم كل من يستغل هذه المضائق في تحقيق مصالح شخصية.
ولطالما شددت المملكة من خطورة تجاهل ملف الملاحة في المضائق الدولية، ودعت العالم إلى سرعة التوصل إلى حلول مستقرة، بشأن أمن الممرات الملاحية، من شأنه أن ينعكس إيجابًا على أسعار السلع الاستراتيجية، وفي مقدمتها النفط والطاقة، وحذرت في الوقت نفسه من أن عدم الاهتمام بهذا الملف، له عواقب وخيمة على الجميع، هذه الدعوة التي لم يهتم بها البعض بشكل كافٍ في بداية الحرب، باتت اليوم محور نقاشات ومباحثات زعماء العالم وكبار المسؤولين، كما ترتكز عليها التحالفات الأمنية الدولية، التي تشدد على أن حماية الملاحة في المضائق والممرات مسؤولية عامة، ينبغي على جميع الدول- بلا استثناء - المشاركة فيها بشكل أو بآخر، لضمان تأمين احتياجات شعوبها من السلع والاحتياجات.

