لم تكن ضربات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001 مجرد اختراق استخباري للهيمنة الأميركية، بل كانت المصيدة الاستراتيجية التي أوقعت واشنطن في فخ التمدد العسكري المفرط، واليوم يتكشف للمحلل الاستراتيجي أن ما يشهده العالم ليس سوى امتدادٍ طبيعي لتفكك نظام القطب الواحد وانتقال الإرهاب والصدمات الأمنية الكبرى، بما فيها تداعيات أحداث 7 تشرين الأول (أكتوبر) والتحقيقات المرتبطة بالتغافل الاستخباراتي عنها، من مجرد تهديدات طارئة إلى أدوات وظيفية جيوسياسية تُعيد هندسة التوازنات وتتحكم بشرايين الاقتصاد والممرات البحرية.
مصيدة القطب الواحد وتسريع التعددية الدولية
تكمن القوة الحقيقية لحدث 11 أيلول (سبتمبر) ليس في حجم خسائره المادية المباشرة، بل في رد الفعل الأميركي الذي دمر الركائز الاستراتيجية لواشنطن نفسها:
الاستنزاف المالي والتكتيكي.. أنفقت الولايات المتحدة ما يتجاوز 8 تريليونات دولار على الحرب العالمية على الإرهاب في أفغانستان والعراق والشرق الأوسط، هذا الاستنزاف تسبب في تفريغ الخزانة الأميركية وإنهاك المؤسسة العسكرية في حروب استنزاف غير متماثلة.
الفراغ الجيوسياسي وصعود المنافسين.. بينما كانت القوات الأميركية تستنزف قدراتها في أزقة بغداد وجبال قندهار، استغلت الصين هذا الانشغال لتحقيق قفزة اقتصادية وصناعية ضخمة والانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، فيما أعادت روسيا بناء قدراتها العسكرية وفرضت نفوذها الميداني بدءًا من جورجيا ووصولًا إلى الساحل السوري وأوروبا الشرقية.
تصدع الشرعية الدولية وتوظيف الصدمة.. أدى تجاوز القرارات الأممية والغزو الاستباقي للعراق عام 2003 إلى ضرب منظومة الأطر القانونية الدولية، وقد أسس ذلك لنموذج استغلال الصدمات الأمنية الكبرى للتحرك العسكري المنفرد خارج الشرعية الدولية، وهو ما يتجلى اليوم في التعاطي مع التحذيرات الاستخباراتية وتوظيف الاختراقات الأمنية الكبرى لتبرير إعادة تشكيل الإقليم بالقوة.
التحول البنيوي للإرهاب: المسيّرات، السلاح السيبراني وحروب الممرات
لم يعد الإرهاب يتلخص في خلايا مطاردة تسكن الكهوف، بل تحول إلى هياكل موازية تُدير حروبًا هجينة تجمع بين القدرات العسكرية، والخوارزميات الرقمية، والتكتيكات غير المباشرة:
انكسار معادلة الكلفة.. تمكن الفاعلون غير الحكوميين من دمج المسيّرات التجارية والصواريخ الدقيقة المصنعة محليًا، وأصبح إسقاط مسيّرة لا تتعدى قيمتها ألفي دولار يستلزم إطلاق صاروخ دفاع جوي أميركي أو أوروبي بكلفة تتجاوز مليون دولار، مما يفرض كلفة اقتصادية غير متكافئة على الدول.
الحرب السيبرانية وتضليل الخوارزميات.. انتقل جزء حيوي من الصراع إلى الفضاء الرقمي، حيث تُدار هجمات البرمجيات الخبيثة لاستهداف الموانئ والبنى التحتية للطاقة، بالتوازي مع حملات التضليل الرقمي الممنهجة لإرباك المجتمعات وضرب التماسك السياسي للخصوم.
حروب المضايق واقتصاد الطاقة الجديد.. انتقلت التكتيكات المسلحة من استهداف المراكز المدنية إلى شل حركة التجارة الدولية عبر الممرات البحرية الحيوية، كمضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر. السيطرة على حركة 12 بالمئة من التجارة العالمية تحولت إلى ورقة ضغط جيو-اقتصادية، ويتزامن ذلك مع تحول في عقيدة الطاقة العالمية، إذ لم يعد النفط التقليدي وحده المحرك للنزاعات، بل أصبحت معادن التكنولوجيا النظيفة ومصادر الطاقة البديلة ساحات تنافس استراتيجي جديد.
الوظيفة الاستراتيجية للإرهاب والتجاهل الأمني.. تُظهر التطورات الميدانية والتقارير الاستخباراتية المتقاطعة أن التنظيمات والفصائل تُستغل غالبًا كأدوات وظيفية بالوكالة، إن التغافل عن التحذيرات الأمنية المبكرة يُستخدم أحايين كثيرة كذرائع لتواجد عسكري موسع أو كأداة ضغط استخباراتية لإرباك المشاريع التنموية والممرات الاقتصادية المنافسة.
المحددات الصلبة في السياسة الخارجية الأميركية (ما لا يتغير بالانتخابات)
سواء تقلّد الرئاسة دونالد ترامب أو أي رئيس ديمقراطي أو جمهوري، فإن المحددات الهيكلية للأمن القومي الأميركي محكومة بثوابت مؤسسية لا تتغير بتغير الأشخاص:
التحول نحو صراع القوى العظمى.. نقل الثقل الاستراتيجي الأميركي من الشرق الأوسط نحو المحيطين الهادئ والهندي لمواجهة التمدد الصيني، وجعل أزمات المنطقة مسألة إدارة مخاطر لا استنزاف نفوذ وقوات.
إجبار الحلفاء على الاعتماد الذاتي.. تقليص مجالات التدخل العسكري المباشر وإلزام الشركاء الإقليميين بتطوير بناء قدراتهم الدفاعية الذاتية وتأمين محيطهم الجغرافي.
حماية أمن الملاحة والطاقة.. الحفاظ على حرية الملاحة البحرية العالمية باعتبارها العصب الحيوي للاقتصاد والأمن القومي الأميركي، ومواجهة أي تهديد يطال المضايق الاستراتيجية.
خارطة طريق الشرق الأوسط: كيف تتعامل دول المنطقة مع واشنطن والغرب؟
أمام هذه الحقائق الصلبة، لا يمكن لدول الشرق الأوسط المراهنة على مزاج ساكن البيت الأبيض أو انتظار مظلة حماية خارجية مجانية، يتطلب الاستقرار الإقليمي بناء عقيدة التعامل الواقعي المرتكزة على أربعة محاور استراتيجية:
الانتقال من الحليف المترقب إلى الشريك المكتفي أمنيًا: التعامل مع واشنطن والغرب يجب أن يتجاوز منطق طلب الحماية إلى منطق تبادل المصالح، ينبغي على دول المنطقة الاستثمار في تحديث منظوماتها الدفاعية الذاتية وبناء قدرات رادعة أمام الحروب الهجينة والمسيّرات، بحيث تصبح قادرة على حماية أراضيها وممرات الطاقة دون الحاجة لاستدعاء تدخل عسكري غربي مباشر.
تنويع شبكات التوازن متعدد الأقطاب: عدم وضع كل البيض في السلة الأميركية، يجب بناء علاقات شراكة استراتيجية متوازنة وعميقة مع بكين وموسكو والعواصم الأوروبية وآسيا، هذا التنويع يقلل من الانكشاف الاستراتيجي عند حدوث أي تحول أو انسحاب مفاجئ للسياسة الأميركية، ويمنح عواصم المنطقة أوراق مناورة دبلوماسية أوسع.
حماية شرعية المؤسسات والأقاليم الدستورية المستقرة: مواجهة الفصائل والحروب الهجينة لا تتم بالسلاح وحده، بل بعلاج البيئة التي تُنتج الفراغ، إن تحصين الدول الوطنية ودعم الكيانات والأقاليم الدستورية والمؤسسات الرسمية الصلبة (مثل إقليم كوردستان أو المؤسسات الاتحادية والحوكمة الرشيدة) يشكل الخط الدفاعي الأول لإغلاق منافذ التغلغل الخارجي ومنع تحويل الإقليم إلى ساحة حروب بالوكالة.
التحول نحو الردع الجيو-اقتصادي والممرات التنموية: تحويل الشرق الأوسط من جغرافيا للأزمات إلى شبكة للمصالح الاقتصادية المتبادلة، إن ربط دول المنطقة بمشاريع طاقة وموانئ وممرات تجارية استراتيجية وخطوط سكك حديدية عابرة للحدود، يفرض على واشنطن وبقية القوى العظمى الحفاظ على استقرار المنطقة لحماية مصالحها الاقتصادية الحيوية بدلاً من التعامل معها كمجرد ملف أمني طارئ.
إن الدرس الأعظم من تحولات ما بعد 11 أيلول (سبتمبر) وامتداداتها الراهنة هو أن الرهان على التغيرات الحزبية في واشنطن أو انتظار انضباط سلوك الفاعلين بالوكالة هو رهان استراتيجي قاصر، التعامل مع النظام الدولي الجديد المتعدد الأقطاب يتطلب مواجهة الحروب الهجينة عبر بناء دولة المؤسسات والقانون وتأمين الاقتصاد والسيادة الميدانية والانتقال من موقع مسرح الحروب بالوكالة إلى موقع الفاعل المكتفي استراتيجيًا.


