عبارة حفظتها صغيرًا في درس التاريخ، يرويها ابن الأثير عن هرقل، إمبراطور الروم، وهو يودّع الشام. تذكرتها وأنا أدخل دمشق لأقيم في فندق بيت الوالي التراثي داخل أسوارها القديمة. عبرت بابه، فإذا بي في بيت دمشقي من القرن الثامن عشر. حجزت لثلاثة أيام، فبقيت عشرة.
تجوّلت بين بيوت الفندق التي فُتح بعضها على بعض، أتأمل "أرض الديار"، فناء يذكّرني بـ"بطن الحوي" في بيوتنا النجدية القديمة: غرف تصون الخصوصية، وباحة تجمع الأسرة تحت السماء. تتوسطها هنا بحرة مثمّنة يلطّف ماؤها الجو، وكانت "الطوالع" توزّع مياه نهر بردى على بيوت دمشق بحصص محسوبة. وحول الباحة تتوزع المجالس بحسب الفصول، "الإيوان"، مجلس مسقوف مفتوح على الباحة، يتجه عادة شمالًا فيبقى مظللًا صيفًا، وتقابله قاعة تستقبل شمس الجنوب شتاءً. بين البيت النجدي والبيت الدمشقي، أدركت أن أنسنة البيوت تعني أن يُبنى المكان على حاجات أهله.
قادني الفضول إلى قصة الفندق، فتعرّفت إلى صاحبه إدوارد ميرزا، أبو جوزيف، وعرّفني الفاضل أحمد الرماح بالدكتور المهندس ياسر الجابي، الذي تولى ترميمه. جلسنا في إيوان أحد البيوت الأربعة، نتأمل صورها حين كانت خربة متهالكة. أنظر إلى الصور، ثم أرفع عيني إلى ما حولي، هنا التقت بصيرة مالك رأى في البيوت ما يستحق الاستثمار، بخبرة معماري عرف كيف يستعيد جمالها.
جمع الدكتور ياسر تدريس العمارة في جامعة دمشق بعقود من صون أبنيتها، وكان من مؤسسي مؤسسة تاريخ دمشق. دعانا إلى جولة وأصر أن يكون دليلنا بنفسه. ذكّرني إصراره بأساتذتي السوريين في طفولتي، كان التعليم عندهم عشقًا، ونشر العلم زكاةً، وتحبيب العلوم فنًا، والتربية منهجًا. كان يقدّم مدينته ببشاشة المضيف وكرم الشامي الأصيل، خرج بنا من باب الفندق ليرينا بقية الدار.
حدّثني الدكتور ياسر عن طبقات دمشق، آثار رومانية وبيزنطية وأبنية إسلامية، بقي بعضها ظاهرًا، واستقر بعضها تحت الشوارع مع توالي الخراب وإعادة البناء. وفي الشارع المستقيم، أو Via Recta باللاتينية، نتتبع محور دمشق الرومانية بين باب شرقي وباب الجابية. وفيه قوس رومانية كُشف عنها على عمق أربعة أمتار ونصف، ثم رُفعت إلى مستوى الطريق. أخذت أنظر تحت قدميّ، صار للمشي في دمشق عمق لم أكن أحسبه.
وكلما انكشفت لي محاسن دمشق، وجدت في بيت البحتري صدى لدهشتي:
أما دمشق فقد أبدت محاسنها
وقد وفى لك مطريها بما وعدا
وفي كنيسة حنانيا، كشف لي بائع شاب مثقف في المتجر الملاصق لها أهمية المكان. روى حكاية شاول الذي جاء دمشق يلاحق المسيحيين، وبحسب الرواية المسيحية، فقد بصره، وأقام في بيت يهوذا على الشارع المستقيم، حيث قصده حنانيا، فاستعاد بصره وتعمّد، وأصبح بولس الرسول، أحد أبرز ناشري المسيحية. وفي سعة صدر الشاب ومعرفته بالروايات الإسلامية والمسيحية، لمحت شيئًا من سرّ التعايش. يصون حكايات المدينة كما يصون الدكتور ياسر أبنيتها.
وقفت مع الدكتور ياسر عند باب شرقي، أتابع شرحه وأتخيل خيل خالد بن الوليد أمام الباب. هنا تضعه أشهر روايات الفتح، وأبا عبيدة بن الجراح عند باب الجابية، في الطرف الآخر من الطريق، يدخل خالد من الشرق عنوة، وأبو عبيدة من الغرب صلحًا، ويستقر أمر المدينة على الصلح. كنت أقرأ خبر الفتح وأمضي إلى السطر التالي، أما هنا فتوقفت. صار للخبر باب أقف عنده، وطريق يمتد أمامي، وأهل أتخيلهم خلف السور ينتظرون مصير مدينتهم. لحظات يقشعر لها البدن.
حتى السور الذي احتمى به أهل دمشق شمله الأمان، ففي كتاب خالد إليهم، كما يرويه البلاذري: "وسور مدينتهم لا يهدم"، مع أمانهم على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم. وما زالت أجزاء من السور قائمة، تعاقب عليها الهدم والترميم. انقضى عهد الروم، وأقبل عهد الإسلام، وصار الحكم فيها للشرع.
ومن حديث الدكتور ياسر تعرّفت إلى حكاية دار ست الشام، أخت صلاح الدين، صارت الشامية الجوانية، مدرسة أوقفت عليها أرضًا وعقارًا للإنفاق من ريعهما. وفي تدبيرها رأيت الاستدامة مبدأً قديمًا. وفي المارستان النوري حكاية الحارثي، النجار الذي صنع بعض أبوابه ثم صار من أطبائه، تخيلته يعبر إلى مرضاه من أبواب صنعتها يداه.
وحول الجامع الأموي تقاربت العصور في مشينا: فسيفساء الوليد الأموية، وضريح صلاح الدين، والظاهرية التي تضم بيبرس المملوكي، ثم باحات قصر العظم العثماني. وعند نهاية الحميدية رفعت عيني إلى بقايا مدخل معبد جوبيتر الروماني، وخلفه الجامع الأموي. وفي البزورية، بين دكاكين التوابل، يقوم خان أسعد باشا، يردّني شرح الدكتور إلى تجار أقاموا فيه وحفظوا بضائعهم، فيما أهل المدينة حولنا يمضون إلى أعمالهم.
وفي الأيام التي تلت جولة الدكتور ياسر، كنت أخرج فجرًا إلى الجامع الأموي، وكأن نزار قباني يهمس في أذني:
مآذن الشام تبكي إذ تعانقني
وللمآذن كالأشجار أرواح
أبلغ الأموي في ربع ساعة، وأستغرق في العودة ساعات، أغادره بعد الصلاة مع انبلاج الصباح، فأستعيد شرح الدكتور عند المعالم، وأتأمل المكان وساكنيه. أمضي وحدي، وترافقني إضاءاته من جولتي.
وفي إحدى الليالي، وقد ظننت أنني فرغت من جولتي، خصني أبو جوزيف بجولة أخرى. كان قد لمس ولعي بالتاريخ والتراث، وأراد أن يريني شيئًا لم يفصح عنه. تبعته. من صالة إلى أخرى، ثم ممر ضيق، فدهليز مظلم تحت الأرض يعبر بي إلى الماضي، فإذا بي تحت البيوت التي أقيم فيها، أمام أقواس حجرية تتتابع بانتظام، وأسقف أدهشتني دقة تشكيلها، كأن الزمن زاد البناء جمالًا. وبدت لي الأقواس قلائد من حجر، فحضرني بيت عبد الكريم العفيدلي:
ماذا أزيدك يا دمشق قصيدًا؟
أنت القصيد قلائدًا وعقودًا
وبقدر ما أدهشتني الأقواس، طمأنتني عناية العمال السوريين بها، فرشاة ومنفاخ هوائي، ودقة في التعامل مع تفاصيل البناء. بدت لي أدواتهم أدوات فنانين يصونون جمالًا أبقاه الزمن. وفي لطف أبي جوزيف معهم، أحسست أن المكان يجمعهم على تاريخ يخصهم جميعًا.
عاد إليّ حديث الدكتور ياسر عن طبقات دمشق، كل تلك الأيام أخرج لأبحث عن تاريخ المدينة، ثم أعود لأنام، ومدينة أخرى تحتي.
وفوق تلك الأقواس، صارت البيوت الأربعة التي رأيتها خربة في الصور تستقبل ضيوفًا من الصين وأوروبا، ما ينفقه الضيف داخل بيت يمتد أثره إلى بيوت أخرى، عبر وظائف الفندق، وورش الأثاث، وموردي الطعام، والخدمات. وكما ذكّرني فناء بيت الوالي ببيوت نجد، ذكّرني حلم الدكتور بإحياء دمشق بمشروع الدرعية، من تاريخ الطريف إلى ضيافة البجيري.
فإذا كانت أربعة بيوت قد صنعت كل هذا، فما بال دمشق القديمة، المدرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي منذ عام 1979، وبها نحو 125 معلمًا تاريخيًا؟ أتخيل بيوتها وأسواقها ودور عبادتها تُرمم، وتتكامل ضيافتها مع فنادق وخدمات تحيط بها خارج أسوارها، وتبقى "عروس المدائن" في القلب، مصونة وعامرة بأهلها. وبعين اقتصادية، أطمح أن يثمر إحياؤها عوائد بالمليارات وآلاف فرص العمل. وبعين الزائر، أسأل محبي التاريخ: إذا كانت أهرامات الجيزة، وكولوسيوم روما، ومتحف اللوفر في باريس تستحق الزيارة، فماذا تستحق مدينة نسكن تاريخها؟
غادرت دمشق وقد سكنتني بعدما سكنتها، وأنا أتمنى أن أعود فأرى عند أبوابها لوحة تبشّر العالم بصون إحدى أقدم مدنه المأهولة: "مشروع ترميم وتأهيل دمشق القديمة — المدينة المتحف".
أما العبارة التي رافقتني منذ الطفولة، فسأترك لهرقل نصفها الثاني، وأقول: "السلام عليك يا سورية"، فالسلام ختام، واللقاء وعد.

