: آخر تحديث

الأم... تتشابه لغات البشر وتختلف الكلمات

1
1
1

عبدالعزيز التميمي

ليست كل الكلمات سواء.

هناك كلمات نتعلمها من الكتب، وكلمات نتعلمها من الحياة، وهناك كلمة لا نحتاج إلى أن نتعلمها؛ لأنها تولد معنا قبل أن نعرف معنى اللغة نفسها.

إنها: الأم.

تأمل هذه الكلمة في لغات البشر.

في العربية نقول: أم، وفي الفارسية مادر، وفي الإنكليزية Mother، وفي الفرنسية Mère، وفي الألمانية Mutter، وفي الإيطالية والإسبانية Madre، وفي الروسية، بينما نجد في الروسية والصينية وغيرهما النداء الحميمي القريب من ماما.

قد تختلف الكلمات الرسمية، وقد تتباعد اللغات في أصواتها وأبنيتها، ولكن شيئاً عجيباً يلفت النظر في ألفاظ النداء التي يطلقها الطفل على أمه: ما، ماما، ماما...

وهنا لا نريد أن نزعم أن جميع لغات العالم أخذت كلمة الأم من أصل واحد، فذلك ليس صحيحاً من الناحية اللغوية. ولكن التشابه في ألفاظ النداء الحميمية يفتح لنا باباً إنسانياً بالغ الجمال: فالأطفال في أنحاء العالم يميلون في بدايات النطق إلى أصوات بسيطة وسهلة، ومن بينها صوت الميم، فتظهر في لغات كثيرة ألفاظ قريبة من «ماما».

وكأن الإنسان، قبل أن يتعلّم لغة قومه، يتعلم لغة قلبه.

فالطفل لا يعرف العربية ولا الإنكليزية ولا الصينية ولا الروسية حين ينادي أمه لأول مرة. لا يعرف الحدود ولا الجنسيات ولا الأديان ولا اختلاف الحضارات.

يعرف وجهاً واحداً، وصوتاً واحداً، وحضناً واحداً.. أمه.

ولعل أجمل ما في الأمر أن اللغة الرسمية حين تكبر بنا تصبح أكثر تعقيداً؛ فنقول: والدة، Mother، Mère، Madre ،Mutter... أما حين يعود الإنسان إلى طفولته، فإن الكلمات تختصر الطريق كله، وتعود إلى صوت بسيط حميم:

ماما. وهنا تكمن حقيقة معنى الأم.

فالأم ليست مجرد اسم لعلاقة بيولوجية، وليست كلمة في قاموس. الأم هي أول معنى للأمان، وأول مدرسة، وأول يد تمسك بنا قبل أن نعرف كيف نمشي، وأول قلب يمنحنا الحب قبل أن نعرف كيف نطلبه.

هي أول وطن يسكن الإنسان قبل أن يعرف معنى الوطن.

ومن هنا، فإن التشابه الصوتي في بعض ألفاظ الأم حول العالم يمكن أن يصبح أكثر من ظاهرة لغوية؛ يمكن أن يكون تذكيراً رمزياً بوحدة الإنسان.

نحن شعوب كثيرة، ولغات كثيرة، وحضارات متعددة، لكننا جميعاً بدأنا تقريباً من النقطة نفسها: طفل يبحث عن الأمان، وأم تمد ذراعيها إليه. لقد اختلف الإنسان في أسماء الأشياء، واختلف في تفسير الكون، واختلفت خرائطه وحدوده وأعلامه، ولكنه ظل يحمل في ذاكرته صورة واحدة تكاد تكون عالمية: صورة الأم.

ولذلك ربما نحتاج اليوم، ونحن نعلّم أبناءنا آلاف الكلمات، أن نعلّمهم كلمة واحدة بمعناها الكامل.

لا يكفي أن يعرف الطفل أن «الأم» هي المرأة التي أنجبته.

بل يجب أن يعرف أن وراء هذه الكلمة عمراً من العطاء، وسهراً لا يُرى، وخوفاً لا يُقال، وفرحاً بنجاح أبنائها قد يكون أكبر من فرحها بنفسها.

ولنعلّم أبناءنا أيضاً أن احترام الأم ليس تقليداً اجتماعياً، ولا مناسبة عابرة في التقويم، ولا كلمات جميلة تُقال مرة في السنة. ( إنه قيمة إنسانية).

فإذا كانت اللغات قد فرّقت أصوات البشر، فإن الأم تستطيع أن تجمع قلوبهم. وإذا كانت الحدود قد قسمت الأرض، فإن حضن الأم لا يعرف الحدود.

وإذا كان لكل شعب لغته، فإن للأم لغة أقدم من اللغات؛ لغة لا تحتاج إلى ترجمان. ربما لهذا السبب تبقى كلمة الأم، مهما اختلف نطقها، قريبة من القلب.

أم... ماما... Mama... Madre... Mère... Mutter... أصوات مختلفة، لكن وراءها معنى واحد:

إنسان كان صغيراً ذات يوم، وكان هناك قلب كبير احتضنه.

وهذه هي الحقيقة التي ينبغي ألا تضيع بين الكلمات:

الأم ليست كلمة ننطقها... الأم معنى نعيش به.

فليكن اختلاف لغاتنا سبباً للتعارف، لا سبباً للتباعد.

ولنبحث دائماً عن الكلمات التي تجمعنا، لا الكلمات التي تفرقنا. وربما تكون البداية من أبسط كلمة عرفها الإنسان... أم...


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد