عبد الله سليمان الطليان
يولد الإنسان وهو يحمل في داخله مجموعة من الدوافع والميول الفطرية التي تشترك فيها البشرية، وإن اختلفت درجاتها من إنسان إلى آخر، ومن بيئة إلى أخرى. ومن هذه الدوافع حب الذات، والرغبة في التملك، وحماية المصالح، والبحث عن المكانة والتقدير. وقد تتحول بعض هذه الدوافع، إذا لم تُهذَّب بالتربية والقيم، إلى صور أخرى أكثر سلبية؛ كالطمع والجشع والحسد والغل والحقد والكراهية والاحتقار والسخرية، بل وقد تدفع الإنسان إلى الكذب والتبرير والعدوان.
لكن الإنسان لا يولد بالضرورة حاقدًا أو جشعًا أو كاذبًا؛ وإنما يولد باستعدادات ودوافع، ثم تأتي التربية والأسرة والبيئة والتجارب لتصنع منها شخصية متوازنة أو شخصية يطغى فيها حب الذات على ما سواه.
الأسرة.. المدرسة الأولى لغريزة الذات
تبدأ قصة الإنسان مع ذاته في بيئته الأولى: الأسرة. فالطفل يتعلم منذ سنواته الأولى معنى «أنا» ولي» و«أريد». ثم يبدأ في اكتشاف الآخرين ومنافستهم على الاهتمام والحب والمكانة. وقد يكون هذا الأمر طبيعيًا في بدايته، لكنه قد يتحول إلى صراع إذا شعر الإنسان أن مكانته مهددة أو أن غيره حصل على ما يراه حقًا له.
ولعل قصة يوسف عليه السلام وإخوته من أوضح النماذج التي تصور كيف يمكن للمنافسة على المحبة والمكانة أن تتحول إلى حسد، ثم إلى كراهية، ثم إلى سلوك خطير.
قال تعالى: {إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}.
فالمشكلة في بدايتها لم تكن جريمة، وإنما كانت شعورًا بالمقارنة: لماذا هو محبوب أكثر منا؟
وهنا تظهر إحدى أخطر صور غريزة الذات: عندما لا يكتفي الإنسان بأن يكون محبوبًا، بل يريد أن يكون أكثر من غيره.
ومن هنا يمكن أن تبدأ سلسلة طويلة: المقارنة تولد الغيرة، والغيرة قد تولد الحسد، والحسد قد يتحول إلى كراهية، والكراهية قد تبحث عن مبررات، ثم تتحول المبررات إلى سلوك.
الإنسان لا يترك ذاته عندما يغادر المنزل
يكبر الطفل، ويغادر أسرته، ويدخل المدرسة ثم الجامعة، وبعدها سوق العمل والمجتمع، لكنه لا يترك ذاته خلفه.
إنه يحمل معه ما تكون داخله من مشاعر ومخاوف وتصورات عن نفسه وعن الآخرين.
فالشخص الذي اعتاد منذ صغره أن يرى الآخرين منافسين له قد ينظر إلى زميله في العمل بالطريقة نفسها. وإذا حصل زميله على ترقية، فقد لا يسأل: هل يستحقها؟
بل قد يكون السؤال الداخلي: لماذا هو وليس أنا؟
وهنا لا يعود الأمر متعلقًا بالوظيفة وحدها، وإنما بصورة الإنسان عن ذاته ومكانته.
وقد يتكرر الأمر في التجارة، والسياسة، والمجالس، والصداقات، وحتى في العلاقات الاجتماعية. وفي كل مرة تظهر الذات وهي تبحث عن الاعتراف والتقدير والمكانة.
من الأسرة إلى المجتمع.. ومن المجتمع إلى الإعلام
إذا انتقلنا إلى عالم الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، فإننا نجد صورة أكثر وضوحًا لهذه الظاهرة.
نشاهد أحيانًا حوارًا يتحول إلى مشادة، ثم تتحول المشادة إلى اتهام، ثم إلى سخرية، ثم إلى محاولة لإسقاط الطرف الآخر بدلًا من مناقشة فكرته.
وهنا يجب أن نسأل: هل الخلاف في الحقيقة حول الفكرة، أم أن الذات دخلت على الخط؟
فقد يبدأ الحوار سياسيًا أو اقتصاديًا أو اجتماعيًا، لكنه ينتهي بصراع شخصي؛ لأن كل طرف يشعر أن انتصار الآخر يعني هزيمته هو.
وهذا من أخطر أخطاء الحوار.فالإنسان عندما يربط بين صحة رأيه وقيمته الشخصية يصبح من الصعب عليه الاعتراف بالخطأ. وإذا تعرض رأيه للنقد، يشعر وكأن شخصه هو الذي تعرض للإهانة. ومن هنا يتحول الحوار من البحث عن الحقيقة إلى البحث عن الانتصار.
خلفية المحاور جزء من فهم الحوار
ولهذا، فإن الحكم على أي حوار لا ينبغي أن يكون قائمًا فقط على الكلمات التي قيلت أمامنا، وإنما ينبغي –بقدر الإمكان– أن نفهم خلفية المتحدث ودوافعه وموقعه ومصالحه وتجربته.
فالكلمة الواحدة قد يقولها شخص بحثًا عن الحقيقة، ويقولها آخر دفاعًا عن مصلحة، ويقولها ثالث انتصارًا لنفسه، ويقولها رابع لأنه اعتاد موقفًا معينًا منذ سنوات.
ولهذا فإن فهم الحوار يحتاج إلى الاستماع إلى الكلام وما وراء الكلام. ولا يعني ذلك أن نفتش في نيات الناس أو نحكم عليها؛ فالنيات لا يعلمها إلا الله. وإنما المقصود أن نفهم السياق الذي يتحرك فيه الإنسان، وأن ندرك أن الإنسان ليس آلة محايدة تنطق بالكلمات، بل هو كائن يحمل تاريخًا وتجارب ومصالح ومخاوف وتصورات عن نفسه وعن الآخرين.
وسائل التواصل.. تضخيم للذات
وقد جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتمنح غريزة الذات مساحة غير مسبوقة. فالإنسان يستطيع أن يعبر عن رأيه أمام آلاف الأشخاص، وأن يحصل خلال دقائق على الإعجاب والتأييد، وقد يجد حوله مجموعة تؤكد له باستمرار أنه على حق.
وهنا تظهر مشكلة جديدة: حين تتحول الجماعة إلى مرآة تعكس للإنسان صورته التي يحبها، يصبح من الصعب عليه أن يرى عيوبه.
ولهذا نجد أحيانًا أن بعض النقاشات لا تهدف إلى الإقناع، وإنما إلى تسجيل النقاط، وجمع المؤيدين، وإحراج الخصم، والحصول على التصفيق الإلكتروني.
وفي هذه الحالة يصبح السؤال:
من انتصر في الحوار؟
أهم من السؤال الحقيقي:
أين الحقيقة؟
هل غريزة الذات شر مطلق؟
ليست غريزة الذات شرًا في ذاتها.
فحب الإنسان لذاته هو الذي يدفعه إلى حماية نفسه، والحفاظ على حياته، والبحث عن النجاح، وتحقيق طموحاته، والدفاع عن حقوقه.
المشكلة ليست في وجود الذات، وإنما في تحول الذات إلى مركز الكون.
فالإنسان المتوازن يقول:
«لي حقوق، وللآخرين حقوق».
أما الإنسان الذي استولت عليه الأنا فيقول:
«أنا أولًا، وإذا تعارضت مصلحتي مع الآخرين فلا يهمني إلا نفسي.»
ولهذا جاءت الأخلاق والدين والتربية لتضع حدودًا لهذه الغريزة، وتحولها من أنانية إلى مسؤولية، ومن حب للذات إلى احترام للذات والآخرين.
قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}.
فالإنسان يحمل في داخله قابلية للخير والشر، ولكن القضية الكبرى هي: ماذا يفعل الإنسان بما أودع في نفسه؟
الحقيقة لا تحتاج إلى صراخ
الحوار الحقيقي لا يحتاج إلى إلغاء الآخر، ولا إلى السخرية منه، ولا إلى رفع الصوت عليه.
بل إن قوة الفكرة تظهر عندما تستطيع أن تقف وحدها دون أن تحتاج إلى إهانة صاحب الفكرة المقابلة.
ولهذا فإننا عندما نشاهد حوارًا حادًا، ينبغي ألا ننجرف مباشرة وراء أكثر المتحدثين صراخًا أو ثقة، وإنما نسأل:
- ما القضية التي يناقشها؟
- ما الأدلة التي يقدمها؟
- هل يرد على الحجة أم يهاجم الشخص؟
- هل يستطيع الاعتراف بالخطأ؟
- هل لديه مصلحة مباشرة في النتيجة؟
- هل يبحث عن الحقيقة أم عن الانتصار؟
- وهل يتعامل مع المخالف باعتباره إنسانًا له حق الاختلاف؟
هذه الأسئلة تجعلنا أكثر قدرة على التمييز بين الحوار الذي يقود إلى الحقيقة، والحوار الذي تقوده الأنا.
الخاتمة
في النهاية، ربما تكون أكبر معارك الإنسان ليست مع الآخرين، وإنما مع ذاته.فالإنسان يستطيع أن ينتصر على خصمه، لكنه قد يخسر أمام غروره. وقد يقنع الآخرين بفكرته، لكنه يعجز عن إقناع نفسه بأنه أخطأ. وقد يربح النقاش، لكنه يخسر الحقيقة.
ومن هنا فإن تهذيب الذات ليس أمرًا ثانويًا في حياة الإنسان، بل هو أساس لكل علاقة ناجحة، وكل حوار ناضج، وكل مجتمع متوازن.
فإذا دخلت الأنا إلى الحوار أصبح الهدف أن أنتصر.
وإذا دخل العقل أصبح الهدف أن نفهم.
وإذا حضرت الحقيقة أصبح الهدف أن نعرف.
وهنا فقط ينتقل الإنسان من صراع الذات إلى البحث عن الحقيقة.

