: آخر تحديث

بريطانيا... «ميكرفيلد» وحظّها التاريخي

3
3
3

«ميكرفيلد» اسم دائرة انتخابية إنجليزية طفت على السطح مؤخراً، وهي تاريخياً عُمالية الولاء السياسي منذ تأسيسها. تقع شمال غرب إنجلترا، عدد سكانها بالكاد يتجاوز 100 ألف نسمة، ستكون يوم 18 يونيو (حزيران) الحالي على موعد مع التاريخ، واختارها الحظُّ لتكون ميداناً لمعركة انتخابية ثانوية قد تقرر مصائر كثيرة.

«ميكرفيلد» واتتها فرصة تاريخية لتكتب التاريخ وتدخله في آن. استناداً إلى المعلق السياسي البريطاني جيمس بوول، أضحى الآن بمقدور ناخبيها التأثير على مستقبل بريطانيا أكثر من كل وزراء الحكومة البريطانية الحالية.

جرت العادة أن حسن الحظ لا يتوقف في مسيره عند القرى والبلدات الصغيرة المنسية إلا مصادفة. وحين يتوقف عند واحدة تسمع بها الدنيا كلها. ثم يتركها للنسيان ويواصل سيره. الدائرة الانتخابية «ميكرفيلد» في تلك البقعة الشمالية من إنجلترا توقف عندها حسن الحظ، وأضحى اسمها يذكر في وسائل الإعلام البريطانية مئات المرّات في اليوم الواحد هذه الأيام. وعلى ناخبيها حالياً يتوقف مصير رئيس الحكومة العمالية السير كير ستارمر، وفي الوقت نفسه يتوقف مستقبل عمدة مانشستر السابق والمرشح العمالي في الانتخابات الثانوية في تلك الدائرة أندي بيرنهام.

بقاء أو رحيل الأول في 10 داوننغ ستريت مرهون بفوز أو خسارة الثاني. فوز بيرنهام بالمقعد الانتخابي لتلك الدائرة يمهد له الطريق للوصول إلى أشهر عنوان في لندن وفي كل بريطانيا.

التاريخ في «ميكرفيلد» قدر له أن يسير في خطين متوازيين، لأن المنافسة على مقعدها البرلماني ليست بين العمال والمحافظين، ولا بين العمال والأحرار الديمقراطيين أو الخضر، بل بين العمال وحزب الإصلاح البريطاني المصنف سياسياً تحت قائمة اليمين المتشدد. المنافسة شديدة بين المرشحين عن الحزبين. نتائج استطلاعات الرأي العام كالتالي: المرشح العمالي 43 في المائة، ومرشح الإصلاح 40 في المائة. اللافت للاهتمام أن حزباً يمينياً لا يقل تطرفاً وتشدداً عن حزب نايجل فاراج (الإصلاح البريطاني) لا يتجاوز عمره سوى أشهر قليلة، واسمه «استعادة بريطانيا» دخل المعترك الانتخابي في الدائرة نفسها. استطلاعات الرأي تقول إن 7 في المائة من الناخبين قالوا إنهم سيصوتون لمرشحه. حزب «استعادة بريطانيا» طُرد مؤسسه روبيرت لو من حزب الإصلاح، وسجل حزبه الجديد في شهر مارس (آذار) الماضي، كما تؤكد التقارير الإعلامية، وهو الآن في المرتبة الثالثة في السباق الانتخابي، أي قبل حزب المحافظين وحزب الأحرار الديمقراطيين وحزب الخضر.

تفسير ذلك هو أن «ميكرفيلد» تحولت منذ الاستفتاء على البقاء أو المغادرة من الاتحاد الأوروبي عام 2016 إلى بيئة ملائمة للأحزاب والحركات اليمينية المتشددة، لأن أكثر من نصف ناخبيها صوتوا لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي. أضف إلى ذلك أنهم في انتخابات المجالس البلدية المحلية الأخيرة دعموا مرشحي حزب الإصلاح اليميني. لكن ما سبق لا يعني أن فوز مرشح حزب الإصلاح أصبح أمراً واقعاً. والسبب هو دخول «حزب استعادة بريطانيا» على الخط، مما قد يحول دون حزب الإصلاح وفرصة إعادة كتابة التاريخ.

نتائج استطلاعات الرأي العام تعطي مرشح حزب الإصلاح 40 نقطة، ومرشح حزب استعادة بريطانيا 7 نقاط. هذا يعني أن مرشحي الحزبين يحظيان بنسبة 47 في المائة من أصوات الناخبين في الدائرة، أي أكثر من المرشح العمال بيرنهام (43 في المائة). ورغم ذلك فإن كفته تعد الأكثر رجحاناً بالفوز. صراع الحزبين اليمينيين يفضي إلى انقسام أصوات مناصريهم ويحرم مرشح حزب الإصلاح من تحقيق نصر تاريخي.

أحزاب اليمين المتطرف أو المتشدد في بريطانيا أو في الغرب عموماً تشبه إلى حد بعيد الأحزاب الإسلاموية المتطرفة في بلداننا في انشقاقاتها، بسبب المزايدات. إذ كلما ظهر حزب متشدد سرعان ما ينشق وتبرز من داخله مجموعة أكثر تطرفاً وتؤسس حزباً جديداً. وهو ما لاحظناه يحدث في صفوف التنظيمات والأحزاب الإسلاموية في بلداننا منذ نهاية السبعينات من القرن الماضي.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد