: آخر تحديث

لذة الخنوع الديمقراطي

0
0
0

يُنسب إلى عمر بن الخطاب عبارة "مَن أكثر من شيءٍ عُرف به"، وإذا ما توسّع إطار تأويل هذه الجملة، سيكون بمقدور المرءِ القول إن مَن كرَّر مصطلحًا أو ردَّد موضوعًا اشتهر به، ومع أن تلك الجملة في أصلها مقتطعة من سياق كلمةٍ وجهها أمير المؤمنين إلى الأحنف بن قيس، وهي تشير إلى الجانب العملي والسلوكي لدى الإنسان وليس النظري والقولي، مع ذلك فقد يُفهم من الكلام المذكور بأن القائل يتحدث عما يُفكر به، أو عما يُشغل باله، أو عما اعتاد عليه، إلا أن الأمر ليس كذلك في كل الأحوال، بل في بعض الأحيان يكون العكس هو الصحيح، أي قد لا يشبه المقول قائله بأي شيء، وربما لأسبابٍ ما، وفي ظرفٍ ما، وبمناسبة ما، رأيتَ بعضهم يقولون ما لا يؤمنون به، يرددون ما لا يشبه دواخلهم، ويصدحون بما لا علاقة لهم به لا من قريب ولا من بعيد، إنما لعل الوضع الحرج هو الذي كان وراء نطق اللازمة الكلامية ومن ثم التلحف بما يناقض بنيانهم.

وعلى سبيل المثال، فزعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان منذ سنتين وهو معتصم بكلمتي الديمقراطية والاندماج، ومن كثرة استخدامه لمصطلح الديمقراطية بات محبو النظم الديمقراطية يتأففون منها كلما نطق بها مَن كان في حياته العملية متعسفًا ومستبدًا حزبيًا، باعتبار أن حزب العمال الكردستاني (PKK) هو الحزب الأكثر تشبثًا بوجهة نظر قيادته، والأكثر استبدادًا برأيهم، وهو من أكثر التنظيمات التي فرضت نهجها السياسي بالقسر والإكراه، كما أن تنظيمه من أكثر التنظيمات التي رفضت الرأي الآخر، وحاربت اللون السياسي الآخر، ورفضت سماع الصوت الآخر في المجتمع الكردي، فكيف وبكل أريحية صار أوجلان يتلفظ بكلمة الديمقراطية بينما هو في جوهره عكس معناها تمامًا؟

أما بخصوص مفردة الاندماج الأخرى التي يتشبث بها أوجلان ويرميها في وجه الناس برفقة كلمة الديمقراطية بمناسبة ودونها، فهي الأخرى لا علاقة لها لا بفكر أوجلان وتنظيمه، ولا بممارسات حزب العمال الكردستاني منذ تأسيسه، طالما أن الزعيم وأفرع تنظيمه كانوا على الدوام يرفضون التوحد مع أي جناح كردي آخر، بل وظلوا ضد قبول أي جهة كردية ككتلة بينهم، وكان الزعيم مصرًا على أن يكون حزبه هو المسيطر والحاكم والمهيمن والفارض كل شروطه على الشارع الكردي، وفي تجربة سوريا القريبة فقد سعت جهات كردية جاهدة للتقارب بين قوات بيشمركة روج (وهي قوة عسكرية مكونة من مقاتلين أكراد سوريين، أُسست في إقليم كردستان العراق عام 2012) وقوات قسد المحسوبة على العمال الكردستاني لكي تتوحد القوتان، فلم تقبل قوات قسد انضمام بيشمركة روج إليها ككتلة موحدة بأي شكل من الأشكال، ثم هل سمع أحد بأن حزب العمال الكردستاني اندمج يومًا مع أي حزب كردي آخر منذ تأسيسه؟ أبدًا، فهو ضد الاندماج مع أي فصيل عسكري كردي، وضد الاندماج مع أي حزب كردي، وضد الاندماج مع أي تيار فكري كردي، إنما كان وعلى الدوام يريد للغير أن يتخلى عن كل شيء وينضم لحزب العمال الكردستاني القائد للثورة والمجتمع على غرار حزب البعث العربي الاشتراكي، فهو إذن كان طوال تاريخه ضد الاندماج مع أي طرف كردي، بينما اليوم يعمل ليل نهار للاندماج مع الدولة التركية التي حاربها الحزب نفسه منذ التأسيس!!!

وعن الحالة الذاتية لأوجلان وقصته مع مفردة الديمقراطية، فمعلوم أن الديمقراطية عكس الدكتاتورية في التحكم بالرعية، إنما هي قائمة على إشراك المواطنين في اتخاذ القرارات عبر الجمعية العامة، والسؤال: هل كان لعناصر ومؤيدي حزب العمال الكردستاني يومًا أي صوت أو رأي أو دور؟ والجواب هو لا، بل وكان ممنوعًا على العضو الحزبي أو العنصر المسلح من قوات الكريلا الاعتراض على أيّ قرارٍ يصدر من أوجلان أو من القيادة الناطقة باسمه.

وفي إطارٍ آخر، فإن أغلبنا يعلم أن أوجلان معتقل منذ عام 1999، والمعتقل حاله حال إنسانٍ مسلوب الإرادة، ومن كان محكومًا عليه ومسلوب الإرادة فوضعه لا يختلف عن وضع العبد المأمور، بينما الديمقراطية في أصلها بأثينا القديمة، أي في مسقط رأسها، كانت قد منحت حقوق المشاركة الديمقراطية للرجال الأحرار فقط، واستبعدت أثينا وقتها، إلى جانب النساء، العبيد من الحقوق السياسية، والعبيد أناس محرومون من حريتهم الأساسية كما هو حال الزعيم المعتقل، إذن كيف لمن كان وضعه أشبه بوضع العبيد من جهة الحرمان من نعمة الحرية بأن يتكلم بالفم الملآن عن الديمقراطية التي لا يحق له النطق باسمها؟

كما أنه لا يُخفى على كل من كان مطلعًا على مسار حزب العمال الكردستاني أن هذا الحزب تحديدًا من بين كل الأحزاب الكردية لم يؤمن يومًا، لا هو ولا زعيمه، بالديمقراطية ولا بالاندماج، وإذا ما استبعدنا فكرة التواطؤ أو الخيانة أو العمالة فسيستنتج الواحد بأن الزعيم المعتقل ربما يتعرض للابتزاز ويخضع لضغوط كبيرة، ولا يمتلك الجرأة في قول "لا" لمن يطالبونه بإلقاء هذه الكلمة أو تمرير ذلك المصطلح إلى أتباعه أو طرح المفهوم في السوق السياسي، وحقيقةً فإن حالة الزعيم المعتقل تذكرنا بحالة شخصٍ كان يتعرض للاغتصاب، ولأنه لم يكن قادرًا على الفكاك من بين أيدي مغتصبيه، ولأنه لم يمتلك إرادة المقاومة، ولأنه كان أعجز من أن يرفض الخضوع للمتحكم بجسده، لذا كان يقول بينه وبين نفسه: إذا ما تعرضت للاغتصاب ولم تكن لديك القدرة على المقاومة فعلى الأقل حاول أن تستمتع، وذلك من باب إقناع الذات والتخفيف عنها والقبول بأمر الواقع، ومن جهتنا، فوارد جدًا أن نسامح خيارات ذلك الشخص، ونقدِّر ظرفه، ونتساهل مع قراره، بكونه في موقع العاجز عن فعل أي شيءٍ مخالفٍ لرغبات المتحكم به، كما أن ذلك الشخص عمل على إقناع ذاته ولم يحاول الترويج لمتعة الخضوع للمهيمن، ولا جمَّل وضعية المفعول به، لأنه إذا ما سعى لإقناع الغير بأهمية استمتاع المرء وهو قيد الاغتصاب فهذا ما لا يقبل به أي كائنٍ عاقلٍ يمتلك الإرادة الحرة، بينما مشكلة عموم الكرد مع عبد الله أوجلان هي كامنة في أنه يحاول جاهدًا إسقاط حالته الشخصية على ملة بأكملها، ولا يكف عن إقناع أتباعه ومن ورائهم جميع الكرد بضرورة الاستسلام الكلي، وأهمية التأقلم مع الانكسار المر، ودواعي التكيف مع الوضع القائم مع كامل تعاسته، وفي الأخير أن يُجرب الكل لذة الخنوع الديمقراطي.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.