: آخر تحديث

السيكارة.. ورق يحترق

0
0
0

أنا من الكارهين للدخان، وللسيكارة، ولكل ما يختبئ خلف سُحبها الثقيلة من وهمٍ ومتعة مؤقتة، ومن صورةٍ زائفة حاولت مجتمعات كثيرة أن تمنحها شيئًا من الهيبة والوجاهة. لم أجد يومًا في التدخين ما يستحق الإغراء، ولم أفهم كيف استطاعت هذه اللفافة الصغيرة أن تتحول، عبر عقود طويلة، إلى رفيقٍ يومي لملايين البشر، وإلى عادةٍ تقتطع من صحتهم وأموالهم وأعمارهم، ثم تجعلهم يدافعون عنها أحيانًا كما لو كانت جزءًا من شخصيتهم لا عادةً يمكن التخلي عنها.

كنت دائمًا أرى السيكارة شيئًا يأكل الجسد بصمت، ويترك أثره في النفس والمكان معًا.

رائحتها تسبق صاحبها أحيانًا، وتبقى بعد مغادرته، في الثياب، وفي الستائر، وفي المقاعد، وفي رائحة الغرف المغلقة. وهي لا تكتفي بالمدخن نفسه، بل تفرض وجودها على الآخرين من حوله، وكأن من حق السيكارة أن تشارك الجميع الهواء الذي يتنفسونه.

ومع ذلك، حملت السيكارة مرة بيدي. لم يكن الأمر رغبةً فيها، ولا تجربةً متأخرة لمعرفة سرّ تعلق الناس بها، بل مجرد لقطة عابرة، نوع من "البريستيج" الذي ما زال البعض يعتقد أن السيكارة تضفيه على الصورة: سيكارة بين الأصابع، نظرة بعيدة، قليل من التصنع، وربما فنجان قهوة إلى الجانب، فتكتمل صورة الرجل الذي يريد أن يبدو أكثر عمقًا مما هو عليه!

ضحكت بيني وبين نفسي من هذه الفكرة. فكم من الأشياء ارتبطت في الذاكرة الشعبية بمظاهر لا علاقة لها بحقيقتها. السيكارة مثلًا كانت في أفلام قديمة جزءًا من صورة البطل القوي، أو الفنان القلق، أو المثقف المشغول بأفكاره، حتى خُيّل لبعض الناس أن الدخان يمنح الإنسان حضورًا إضافيًا، وأن الإمساك بالسيكارة يمكن أن يضيف شيئًا إلى الهيبة أو الرجولة أو الأناقة.

لكن الحقيقة أبسط من ذلك بكثير: السيكارة لا تمنح الإنسان قيمة، ولا تصنع حضورًا، ولا تضيف إلى الشخصية شيئًا سوى ما تتركه من دخان ورماد ورائحة.

حين أمسكتها بيدي، مرّت في ذهني وجوه كثيرة. أصدقاء رحلوا عن الدنيا وكان التدخين رفيق سنواتهم الطويلة، وآخرون لا يزالون حتى اليوم يطاردون الدخان كما لو كان موعدًا لا يجوز تأجيله. بعضهم يبدأ صباحه قبل القهوة بسيكارة، وبعضهم لا يستطيع الجلوس مع أصدقائه من دون أن يشعل واحدة تلو الأخرى، حتى يتحول الحديث نفسه إلى فواصل قصيرة بين سيكارتين.

تأملت كم تصبح العادة، مع مرور الزمن، نوعًا من السلطة الصغيرة على الإنسان. تبدأ بسيكارة على سبيل التجربة، ثم سيكارة للمجاملة، ثم سيكارة مع القهوة، وأخرى بعد الطعام، وثالثة في لحظات القلق، ورابعة في أوقات الانتظار، إلى أن يجد الإنسان نفسه وقد وزّع يومه كله على محطات من الدخان.

وإذا سألت بعض المدخنين عن السبب، سمعت إجابات متشابهة: "تريح الأعصاب"، أو "تعدل المزاج"، أو "مجرد عادة". لكن الغريب أن ما يسمونه راحةً يتحول أحيانًا إلى حاجة ملحّة، وما يسمونه مزاجًا يصبح اعتمادًا يوميًا لا يستطيع صاحبه أن يفارقَه بسهولة.

وبعض الذين حاولوا الابتعاد عن السيكارة انتقلوا إلى النرجيلة، معتقدين أنهم بذلك اختاروا طريقًا أقل ضررًا. وكأن مرور الدخان في الماء يمنحه شهادة حسن سلوك! يجلس الواحد منهم ساعات حول النرجيلة، ينفث سحبًا كثيفة، ثم يقول لك مطمئنًا: "هذه أخف من السيكارة". والحال أن الوهم هنا لا يقل خطرًا عن الدخان نفسه، لأن الإنسان حين يقتنع بأن الضرر قليل، يمنح نفسه مساحة أكبر للاستمرار.

والنرجيلة أيضًا تحولت في بعض البيئات إلى مشهد اجتماعي كامل، مقاهٍ مزدحمة، دخان كثيف، جلسات طويلة، وأحيانًا اعتقاد أن السهرة لا تكتمل من دونها. حتى صار من الطبيعي أن ترى شبابًا في مقتبل العمر يتعاملون معها كجزء من أسلوب الحياة، لا كعادة لها أثمان صحية ونفسية ومالية.

ما يزعجني في التدخين ليس الضرر الصحي وحده، على أهميته، بل فكرة استسلام الإنسان لشيء يعرف أنه يؤذيه ومع ذلك يصرّ على منحه مساحة من يومه وماله وعمره. كأن بينه وبين السيكارة علاقة غريبة من الحب والعداء، يلعنها صباحًا، ويشعلها بعد دقائق. يقول إنه سيتركها، ثم يؤجل القرار إلى الأسبوع القادم، ثم إلى الشهر القادم، ثم تمضي السنوات والسيكارة ما تزال في مكانها.

ولست هنا بصدد محاكمة المدخنين، فكثيرون منهم يعرفون حجم المشكلة ويحاولون التخلص منها، وبعضهم يخوض معركة حقيقية مع عادة ترسخت سنوات طويلة. لكنني أتحدث عن السيكارة بوصفها وهمًا جرى تجميله أكثر مما ينبغي، حتى ارتبطت أحيانًا بالوجاهة والراحة والرفقة، بينما حقيقتها أقل رومانسية بكثير.

السيكارة التي حملتها في يدي لم تكن حبًّا بها، ولا إعجابًا بمشهدها، بل كانت صورة عابرة جعلتني أتذكر أكثر لماذا لم أحبّها يومًا.

ربّما كان أكثر ما لفتني في تلك اللحظة أن الإنسان لا يحتاج إلى سيكارة كي يبدو واثقًا، ولا إلى دخان كي يبدو مفكرًا، ولا إلى رماد كي يضيف شيئًا إلى صورته. البريستيج الحقيقي لا تصنعه سيكارة، بل يصنعه حضور الإنسان، وكلمته، وسلوكه، وما يتركه في الآخرين من أثر طيب.

أما السيكارة، فمهما حاولنا أن نغلفها بالأناقة، تبقى في النهاية ورقًا يحترق، ودخانًا يتبدد، ورمادًا يسقط.

وقد يكون في هذه الصورة وحدها ما يكفي من الدلالة: أشياء كثيرة نظنها في لحظةٍ ما جزءًا من الهيبة، ثم نكتشف، بعد أن ينقشع الدخان، أنها لم تكن سوى رماد.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.