عندما أعلنت السعودية ترشيح د. حنان بلخي لمنصب مدير عام منظمة الصحة العالمية، كانت تخطو خطوة إضافية نحو تمكين المهنيين الجادين. فعندما تنظر إلى ما وصلت إليه د. حنان تشعر بالفخر أولًا، وتدعو الجميع لدعم هذا الترشيح. السباحة في ملفات وممرات المنظمات الدولية ليس ولم يكن سهلًا لمن عرفوا بيئة العمل في المؤسسات والمنظمات الدولية. العمل في محيط ليس بالضرورة منسجمًا مع التوقعات والثقافة والقيم والعادات اليومية، وبعدئذٍ الشعور بأنك مهما بلغت، هناك من هو أكثر منك علمًا وكفاءة، يولد قدرة عالية على تحدي المعوقات الدينية والجغرافية والعرقية، والتركيز على الكفاءة الفنية والإدارية. ويغرس فيك الرغبة في رفع الشعار الأممي: السلام والتنمية وحقوق الإنسان، كصيغة كونية لتحقيق الوصول إلى قيم المواطنة العالمية المنسجمة مع التشريعات والقوانين الدولية المتفق عليها بين الأمم.
فبعد النجاح الباهر الذي حققته د. ثريا عبيد كناشطة دولية في قضايا المرأة، وكمديرة تنفيذية لصندوق الأمم المتحدة للسكان، وكأمينة عامة مساعدة للأمم المتحدة، حيث يُعتبر صندوق السكان التابع للأمم المتحدة أكبر مصدر متعدد الأطراف للمساعدة السكانية في العالم. ثريا عبيد من المملكة العربية السعودية، عُينت في منصبها في 1 كانون الثاني (يناير) 2001، وحتى نهاية عام 2010. وهي أول عربية سعودية ترأس وكالة تابعة للأمم المتحدة.
بعد تجربة د. ثريا عبيد التي انتهت قبل ربع قرن، لم يتمكن أي مرشح سعودي من الوصول إلى دوائر القرار في منظومة الأمم المتحدة. وبالرغم من مساهمات الحكومة السعودية لدعم برامج المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة، إلا أن الحضور السعودي في أروقة اتخاذ القرار يكاد يكون صفريًا.
كفاءة ونجومية د. غازي القصيبي دفعت محبيه إلى إقناعه بدخول سباق الترشح لمنصب مدير عام منظمة اليونسكو. ولا أحد ينكر أن د. القصيبي، رحمه الله، كان شخصية ثقافية وإدارية نادرة، وكان يتمتع بالكفاءة الكافية لإدارة اليونسكو. غير أن العناصر الأساسية لكسب انتخابات تدخل فيها أطراف وتأثيرات دولية لم تكن متوفرة في ذلك الحين. نجح المرشح الياباني كويتشيرو ماتسورا عام 1999، بالرغم من أنه لم يكن يتمتع بالمواهب التي كان يتمتع بها د. القصيبي. كانت اليابان تحتل المركز الثاني بين اقتصادات العالم في ذلك الوقت. وكانت اللجنة الوطنية اليابانية تقدم أموالًا كبيرة بعد أن حولت جمع الأموال إلى عملية تجارية تحصل اللجنة الوطنية بمقتضاها على نسبة من الأموال تصل إلى 30 بالمئة كأتعاب إدارية. ووعدت اليابان قبيل الانتخابات بتقديم مساهمة بمبلغ 200 مليون دولار لليونسكو. وفي إطار الاتفاقية بين اليابان واليونسكو، تم تعيين عشرات اليابانيين في المقر الرئيسي والمكاتب التابعة وفي وظائف دولية. الاستثمار الياباني السخي سمح للسيد المتواضع ماتسورا، وهو دبلوماسي ولم يكن له صلة مهنية أو عملية بحقول المنظمة الخمسة (التعليم والعلوم التطبيقية والعلوم الإنسانية والثقافة والإعلام والاتصالات).
بعد تلك التجربة التي كتب عنها الراحل غازي القصيبي وآخرون، جاءت تجربة هامة، وهي تقديم د. محمد التويجري مرشحًا سعوديًا لشغل منصب مدير عام منظمة التجارة العالمية. يتمتع د. التويجري بخبرات كبيرة في مجال البنوك والمال والأعمال، وشغل منصب وزير في الحكومة السعودية. ولكن السباق الانتخابي، كما أسلفت، لا يخضع لرغبات دول المرشحين، بل لآليات تتقاطع فيها مصالح ومبادئ وتقاليد أممية ترتبط بالتوزيع الجغرافي وتناوب النساء والرجال على المناصب لتحقيق حد أدنى من المبادئ الأساسية التي تنادي بها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية. ولا بد من أخذ نفوذ الدول الأعضاء في مجلس الأمن بالاعتبار أثناء الحملات الانتخابية للوصول إلى المناصب الأممية العليا.
نجحت د. نجوزي أوكونجو إيويلا من نيجيريا في الوصول إلى منصب المدير العام لمنظمة التجارة العالمية عام 2021، وخرج د. التويجري من السباق.
وساعد على إنجاح حملة الوزيرة النيجيرية كونها عملت عدة سنوات في منظومات المؤسسات الدولية، وأهمها خدمتها في البنك الدولي لمدة 25 سنة، إضافة إلى أنها أول امرأة وأول أفريقية تُنتخب لهذا المنصب.
لم تكن القوة الاقتصادية الأولى في العالم راضية عن أداء الفرنسي باسكال لامي، وهو يساري اشتراكي يقاوم هيمنة رأس المال على المنظومات التجارية.
وخلفه البرازيلي روبيرتو أزيڤيدو، الذي قضى على مرشح مكسيكي مقرب من الولايات المتحدة الأميركية. تراجع حضور أميركا في المنظمة، وعُقدت اتفاقيات ثنائية خارج الإطار متعدد الأطراف، مما أدى إلى إضعاف آليات عمل المنظمة.
أسوق الأمثلة أعلاه لتوضيح تعقيدات العمل متعدد الأطراف وتقلبات مواقف الدول تحت التأثير أو المصالح أو المزاج أحيانًا.
وأقول بكل ثقة إن د. حنان بلخي تتمتع بكل الكفاءات والخبرات والتجارب والمعارف الفنية، مما يكفي لأن تكون المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية بعد نهاية تفويض الإثيوبي د. تيدروس.
تعرف الدول الأعضاء في المنظمة الدور السعودي الهام في المساهمة المباشرة في دعم برامج المنظمة. ويعرف العالم أن ما قامت به الصناديق والمؤسسات التمويلية السعودية والإقليمية، مثل الصندوق السعودي للتنمية والبنك الإسلامي للتنمية، يدخل ضمن البرامج المباشرة وغير المباشرة التي تقودها منظمة الصحة العالمية.
تابعنا حملات انتخابية عديدة، كان أكثرها جدلًا خسارة القطري د. الكواري أمام السيدة أزولاي عام 2017 للفوز بمنصب مدير عام منظمة اليونسكو، كما تابعنا الإمكانيات الكبيرة التي حشدتها السعودية خلف د. التويجري ولم تكن كافية.
ما لم تكن هناك اعتبارات غير مرئية، ستتمكن د. حنان بلخي من تحقيق النتيجة التي انتظرناها طويلًا بالانتخاب، والتي تمكنت د. ثريا عبيد من الوصول إليها قبل سنوات بالتعيين.


