لم يعد حزب الله يكتفي بخسارة الأرض، بل بات يطالب اللبنانيين بإبداء إعجابهم بكيفية هذه الخسارة. فبعدما تهاوت المواقع وتقدّم القتال من الشريط الحدودي إلى عمق الجنوب، وصولاً إلى النبطية وجبل الريحان، خرج علينا مُنظّرو المحور بمفهوم عسكري جديد: "عدم التمسك بالجغرافيا".
بحسب هذه الهرطقة، حزب الله لا يخسر الأرض، بل يتكرّم على الإسرائيلي باحتلالها. وهو لا ينسحب من مواقعه، بل يستدرج العدو إلى غزو بري واسع النطاق. أما القرى التي تُدمّر، والأهالي الذين يُهجّرون، والتلال التي تسقط، فليست سوى تفاصيل ثانوية في خطة عبقرية لا يفهمها إلا من خضع لدورة مكثفة في "فقه الهزيمة" لدى الحرس الثوري الإيراني.
وفق هذا المنطق، لا يكون سقوط الأرض دليلاً على الفشل، بل يصبح جزءاً من الانتصار. وكلما تقدّم الجيش الإسرائيلي أكثر، ازداد حزب الله قناعةً بأنه يستدرجه. وإذا وصل القتال غداً إلى بيروت، فربما سيخرج أحد أبواق الحزب ليشرح لنا أن سقوط العاصمة هو ذروة الخطة، وأن المقاومة نجحت أخيراً في إغراق إسرائيل في المستنقع اللبناني، بعدما أغرقت اللبنانيين أولاً في الركام والنزوح والفقر.
لكن مشكلة "عدم التمسك بالجغرافيا" لا تقتصر على سخفها العسكري. فهي تنسف الحجة التي استخدمها حزب الله طوال أكثر من ربع قرن للاحتفاظ بسلاحه. فمنذ التحرير عام 2000، قيل للبنانيين إن السلاح باقٍ لأن مزارع شبعا وتلال كفرشوبا لا تزالان محتلتين. يومها كانت الجغرافيا مقدسة، إذ تحولت بضعة كيلومترات مربعة إلى مبرر لوجود جيش خارج عن الدولة، ولتعطيل القرارات الدولية، ومصادرة السياسة الخارجية، وجرّ لبنان إلى الحروب.
أما لجهة الترسيم البحري، فقد اختفت فجأة قدسية الجغرافيا، وبارك حزب الله اتفاقاً تنازل بموجبه لبنان عن جزء من حقوقه وثرواته الطبيعية. هكذا تكون الأرض مقدسة عندما تصلح ذريعة لبقاء السلاح، وتصبح قابلة للمساومة تلبيةً لمصالح إيران واستجابةً لحسابات الحزب.
أما اليوم، وبعدما توسعت رقعة الاحتلال والدمار، اكتشف الحزب فجأة أن الجغرافيا ليست مهمة، وأن المقاومة لا تتمسك بالأرض أصلاً. فكيف يمكن تبرير سلاح قيل إنه موجود لتحرير الأرض بعقيدة تقوم على عدم الدفاع عن تلك الأرض؟ وكيف تتحول مزارع شبعا إلى قضية وجودية عندما يُطلب تبرير السلاح، بينما يصبح الجنوب كله مجرد ساحة للمناورة عندما يفشل هذا السلاح في حمايته؟
الجواب بسيط: المطلوب ليس الدفاع عن الجغرافيا، بل الدفاع عن السلاح. الأرض تتغير أهميتها بحسب حاجة الحزب. إذا كانت الأرض ذريعة للحفاظ على ترسانته، تصبح كل حبة تراب قضية كونية. وإذا سقطت الأرض بفعل مغامراته، تصبح الجغرافيا مفهوماً قديماً لا يفهمه إلا السذج.
أما الهرطقة الثانية فهي ما يسميه أبواق المحور "الغموض البنّاء". والمقصود به عملياً مطالبة اللبنانيين بألّا يسألوا أين يقاتل الحزب، وماذا خسر، ومن بقي من قياداته، وما الذي حققته الحرب، وكيف تحولت الوعود بالردع والحماية إلى احتلال ودمار ونزوح.
كل سؤال، وفق هذا المنطق، يخدم العدو. وكل اعتراف بالخسارة يكشف المستور. وكل محاولة محاسبة تهدد المقاومة. أما الحزب، فمن حقه أن يشن الحرب باسم اللبنانيين، وأن يدمر بيوتهم دفاعاً عن مشروع إيراني، ثم يطالبهم بالتزام الصمت احتراماً للسرية العسكرية.
هذا الغموض لا يكون بنّاءً إلا في رواية كاذبة. إنه الستارة التي تُسدل عندما يعجز الحزب عن تفسير التباين بين وعوده ونتائج أفعاله. فلو كانت لديه إنجازات حقيقية، لملأت صوره الشاشات، وتحولت عملياته إلى أفلام دعائية وخطابات ومهرجانات. لكنه لا يتذكر السرية إلا عندما يتعلق الأمر بالخسائر، ولا يكتشف خطورة النقاش العلني إلا عندما يصبح السؤال: أين الانتصار الذي وعدتمونا به؟
هكذا، يشوب "الغموض" كل الهزائم، ويصبح كل إذلال عسكري بمثابة "تكتيك"، ويتحول كل انسحاب إلى "استدراج"، وكل أرض محتلة إلى "منطقة قتل". وحدهم اللبنانيون لا مكان لهم في هذه السردية؛ دماؤهم ليست غامضة، وبيوتهم المدمرة ليست تكتيكية، ونزوحهم ليس جزءاً من حرب نفسية على إسرائيل.
أما الهرطقة الثالثة فهي "الصبر الاستراتيجي"، أي التوصيف المنمّق للعجز حين يصبح الاعتراف به ممنوعاً. فحين يعجز حزب الله أو إيران عن الرد، لا يعترفان بأن ميزان القوى لا يسمح، بل يعلنان أنهما يتحليان بالصبر. وحين يمران على الضربة تلو الأخرى من دون أي ردّة فعل، يصبح الصمت جزءاً من خطة لا يراها أحد، والانتظار سلاحاً سرياً، والتراجع حكمة لا يدركها إلا فقهاء المحور. هكذا يستطيع الحزب أن يهدد صباحاً، وأن يؤجل الرد مساءً، ثم يطلب من جمهوره في اليوم التالي أن يحتفل برباطة جأشه. والمفارقة أن هذا الصبر لا يُطلب من القيادة الإيرانية ولا من مسؤولي حزب الله، بل من اللبنانيين الذين يخسرون بيوتهم وأرزاقهم وأبناءهم وهم ينتظرون الرد "في الزمان والمكان المناسبين". لقد أصبح الصبر الاستراتيجي وعداً لا تنتهي صلاحيته: إذا ردّوا، قالوا إن التوقيت كان مدروساً، وإذا لم يردّوا، قالوا إن عدم الرد أربك العدو. وفي الحالتين، يُعلن الانتصار وتُرحّل الفاتورة إلى اللبنانيين.
الحقيقة التي تحاول هذه المصطلحات إخفاءها هي أن حزب الله انتقل من ادعاء تحرير الأرض إلى تبرير خسارتها. لم يعد قادراً على حماية لبنان، ولذلك يريد إقناع اللبنانيين بأن الحماية لم تكن هدفه أصلاً. ولم يعد قادراً على تقديم أي انتصار، فاخترع عقيدة تجعل الهزيمة أعمق من أن يفهمها الناس.
لكن الأرض لا تعترف بالغموض البنّاء، والاحتلال لا يتحول إلى انتصار بمجرد تغيير اسمه. وما يقدمه حزب الله اليوم ليس عقيدة مقاومة، بل لاهوتاً سياسياً للهزيمة: إيران تقرر، وحزب الله ينفذ، واللبنانيون يدفعون الثمن، ثم يُطلب منهم أن يصفقوا لعبقرية الخطة.


