يُعدّ الكرم من أكثر الصفات حضورًا في الوجدان العربي، ومن أشدها اتصالًا بصورة المرء عن نفسه ومكانته بين الناس، إذ لا يُنظر إليه بوصفه فعلًا من أفعال العطاء فحسب، بل قيمة أخلاقية واجتماعية. ولذلك قد يتقبل المرء أن يُنظر إليه بوصفه قليل المال أو محدود الجاه، لأن ذلك لا يقدح في أخلاقه، لكنه يتحسس كثيرًا من أن يُوصف بالبخل لما يحمله هذا الوصف من انتقاص.
ولهذا يتشابه العطاء في ظاهره مع اختلاف دوافعه وغاياته. فقد ينبع من إحساس صادق بحاجة الآخرين، وقد تحرّكه دوافع شخصية واجتماعية أخرى. ومن ثم لا يكفي مقدار ما يُنفق للحكم على حقيقة الكرم، بل ينبغي النظر إلى الدافع إليه، والجهة التي يتوجه إليها، والطريقة التي يُقدَّم بها.
وهذا يقود إلى سؤال أكثر إلحاحًا في زمننا: ما الصورة الأقرب إلى جوهر الكرم؟ هل هي في أن تمتلئ المائدة بأصناف الطعام أمام أشخاص شبعى يستطيعون الحصول على مثل هذا الطعام وأفضل منه متى شاؤوا، أم في أن يلتفت المرء إلى قريب محتاج، أو جار ضاقت به الحال، أو أسرة تستحي أن تسأل الناس، فيمد إليهم يد العون من غير منّ ولا استعراض؟
لا تعارض بالضرورة بين الأمرين، فقد يكون الإنسان مضيافًا ومحسنًا إلى المحتاجين في الوقت نفسه. لكن ترتيب الأولويات يكشف شيئًا مهمًا عن طبيعة كرمه. فالإنفاق الباذخ على المناسبات، مع الإحجام عن قضاء حاجة قريب أو مساعدة جار معسر، يضعنا أمام مفارقة لا تتعلق بمقدار المال المنفق، بل بترتيب أولويات العطاء ودوافعه لدى صاحبه.
والمحتاج في كثير من الأحيان لا يحتاج إلى مائدة، بل إلى فاتورة تُسدَّد، أو علاج تُغطّى تكلفته، أو دين يخف حمله، أو إيجار يُدفع. وقد تكون مساعدة واحدة من هذا النوع أقل كلفة من وليمة فاخرة، لكنها أشد أثرًا في حياة المحتاج.
ويختلف معنى العطاء أيضًا باختلاف ما يمثله في حياة صاحبه. فليس من يقتطع من مال هو في حاجة إليه كمن ورث المال والسلطة من غير جهد وتعب، ثم أخذ يغرف من بحر لا ينضب. فالأول لا يقدم مالًا فحسب، بل يتنازل عن شيء من راحته وأمانه، أما الثاني فقد يبذل أضعافه من غير أن تمس العطية رفاهيته ونمط حياته أو تنتقص من امتيازاته. ولهذا لا تُقاس قيمة الكرم بحجم الإنفاق، بل بنسبة ما يبذله المرء إلى قدرته، وبما ينطوي عليه عطاؤه من تضحية.
ولا يقتصر الكرم على بذل المال، فقد يكون المرء كريمًا بوقته وإصغائه، ولطفه وابتسامته، وبالرأي الذي ينصف به مظلومًا، وبما يمنحه لغيره من دعم نفسي. وهذه صور لا تلفت الأنظار كما تفعل الموائد والعطايا، لكنها قد تكون في بعض المواقف أشد حاجة وأبقى أثرًا، فالإنسان قد يحتاج إلى من يفهمه ويقف إلى جانبه أكثر من حاجته إلى من ينفق عليه.
ومن خلال دوافع العطاء ومواضعه يمكن التمييز بين ثلاثة أنماط من الكرم المادي: المتأصل، والاستعراضي، والمصطنع.
صاحب الكرم المتأصل غالبًا ما تتجذر هذه الخصلة في شخصيته منذ صغره، فهو لا ينتظر مناسبة كي يعطي، لأن العطاء جزء من طريقته في النظر إلى الآخرين. تستوقفه الحاجة قبل المكانة، ويستشعر ضيق القريب والجار كما يستشعر واجب الضيافة، وربما كان أكثر حرصًا على العطاء حين لا يراه أحد.
أما الكرم الاستعراضي، فقد ينفق صاحبه بسخاء فعلًا، لكن الرغبة في أن يراه الآخرون كريمًا تمثل دافعًا أساسيًا لديه. فلا يكتمل رضاه بوصول الخير إلى غيره وحده، بل يحتاج أيضًا إلى ما يجلبه له عطاؤه من إعجاب وثناء ومكانة. ولهذا يزداد هذا النوع من العطاء غالبًا كلما اتسع الجمهور أو ازدادت أهمية المناسبة.
أما الكرم المصطنع، فلا يكون العطاء فيه نابعًا من ميل راسخ، بل من اعتبارات ظرفية، كالضغط الاجتماعي، أو المصلحة، أو المجاملة، أو الخوف من الملامة، أو الرغبة في التقرب من شخص بعينه. ولذلك يظل هذا العطاء شديد الارتباط بالظرف الذي استدعاه، فيظهر ما دام سببه قائمًا، ويخفت بزواله.
وعند بعض الشخصيات، يأخذ الكرم المصطنع صورة أشد تعقيدًا وخطورة، فلا يكون العطاء غاية في ذاته، بل مدخلًا إلى التأثير في الآخر. فيبدأ صاحبه بالسخاء وكسب الثقة وإشعار الطرف المقابل بأنه موضع عناية خاصة، ثم تتراكم لديه مع الوقت معرفة بحاجات الآخر ونقاط ضعفه وما يخشاه. وحين تترسخ العلاقة، قد يتحول ما قُدِّم سابقًا إلى أداة للسيطرة والابتزاز العاطفي، فيُذكَّر الآخر بالفضل، ويُشعَر بأنه مدين، ويغدو رفضه لمطالب المعطي أو سعيه إلى الاستقلال عنه ضربًا من الجحود في نظره، حتى يبدأ بالشعور بالذنب وتأنيب الضمير كلما حاول رفض طلب أو وضع حد للعلاقة، وهكذا قد يغدو العطاء طُعمًا أول لاستدراج الآخر، حتى يقع في شباك من الامتنان والاعتماد يصعب عليه الإفلات منها. ويظهر هذا النمط بوضوح أكبر لدى بعض الشخصيات المضطربة ذات النزعة المعادية للمجتمع، التي يغلب على علاقاتها التلاعب والاستغلال. فالعطاء عندها وسيلة لا غاية في ذاته، لا تحركه مشاعر التعاطف، بل تحكمه غاية تبرر كل وسيلة. يعطي صاحب هذا النمط ليقترب، ويقترب ليعرف، ويعرف ليملك مفاتيح التأثير.
ولا تقتصر مظاهر النمطين الأخيرين على هذه الصور المعقدة، فمن أكثر المفارقات اليومية كشفًا لدوافعهما أن نجد شخصًا معروفًا في المجالس بكرمه، بينما تعيش أسرته تحت ضغط بخله. يقتصد في الإنفاق على حاجاتهم، ويتشدد حتى في الضروري منها، ثم يُفرط في العطاء حين يكون أمام الناس.
وقد يحمل هذا التناقض دلالة نفسية أعمق لدى من تظهر عليه بعض السمات النرجسية. فالمسألة هنا لا تتعلق بالمال نفسه بقدر ما تتعلق بالعائد النفسي من إنفاقه، فالإنفاق على الأسرة يبدو له، لفرط أنانيته، التزامًا يوميًا خانقًا لا يحقق له ما ينشده من إعجاب ومكانة، بينما يمنحه الإنفاق أمام الآخرين ذلك العائد، ويعزز الصورة التي يريدها عن نفسه. وهنا يظهر الفارق، فصاحب الكرم المتأصل يستمد سعادته ورضاه من أثر عطائه، بينما يحتاج صاحب النزعة النرجسية أو الاستعراضية إلى صدى عطائه لدى الآخرين كي يشعر بقيمته.
ومن أدق ما يكشف دوافع الكرم أن نرى كيف يعامل المرء من لا يرجو منه نفعًا، فقد يستقبل قريبًا لا جاه له، أو عاملًا لا سلطة له، أو مسافرًا عابرًا، بما تيسّر، ثم يستنفر إذا كان ضيفه صاحب مال أو منصب، فتمتلئ الموائد بأفخر الأصناف، وتُستخرج أجمل الأواني، ويُبالغ في مظاهر الحفاوة. وليس في إكرام أصحاب المكانة ما يُذم في ذاته، كما أن بعض المناسبات قد تقتضي استعدادًا أكبر لأسباب تتصل بطبيعتها لا بمكانة الضيف، لكن التفاوت الكبير في الحفاوة قد يكشف عن اختلاط الكرم بحسابات المصلحة والرغبة في التقرب من أصحاب النفوذ. فليس المطلوب أن تتطابق الموائد، وإنما أن يظل الاحترام ثابتًا، وألا يتغير نصيب الإنسان من الكرامة بتغير رصيده البنكي أو لقبه الوظيفي.
وقد أضافت وسائل التواصل الاجتماعي إلى مظاهر الكرم بُعدًا جديدًا يستحق التأمل. فبعض الموائد لم تعد تُعَدّ ليأكل منها الضيوف وحدهم، بل لتسبق عدسةُ الهاتف أيديَ الضيوف إليها. تُصور المأكولات والمشروبات التي تقدم للضيف، وتُستعرض كثرة الصحون وأعداد الذبائح، وكأن الغاية توثيق حجم الإنفاق أكثر من الاحتفاء بلحظة إنسانية.
وينبغي أن يعي هذا النمط من المضيفين أن للضيافة خصوصيتها، فالإنسان حين يدخل بيتك يفترض أن يكون ما يُقدَّم إليه داخلًا في دائرة الاحترام والمودة والخصوصية، لا في سجل علني لإنجازات المضيف. وحين يصبح الطعام مادة للتصوير والاستعراض، تتغير وظيفة العطاء نفسها، فما كان في الأصل موجَّهًا إلى الضيف يصبح موجَّهًا إلى الجمهور. فلا تعود قيمة المائدة فيما تدخله من سرور على من حضر، بل فيما تصنعه من انطباع لدى من لم يحضر.
وهنا لا يتعلق الأمر بالمضيف وحده، بل بكرامة الضيف أيضًا، فمن حقه حين يُستضاف أن يشعر بالتقدير، وأن تُصان خصوصيته. والفرق عميق بين توثيق مناسبة تجمع الناس وبين توثيق ما أُنفق عليهم، فالأول يحفظ ذكرى اللحظة، أما الثاني فقد يختزلها في حجم الإنفاق ومظاهره.
أخيرًا، ليس المقصود الانتقاص من الولائم أو تقاليد الضيافة، وإنما إعادة الكرم إلى ميزانه الصحيح، فلا تُقاس قيمته بسعة المائدة ولا بكثرة ما يُنفق، بل بصدق الدافع، وحسن توجيه العطاء، وأثره في تخفيف الحاجة وصون الكرامة.

