: آخر تحديث

النهضة التعاونية

1
1
1

تجسد الفلسفة التعاونية إحدى أنصع الصور لترجمة التكافل الاجتماعي إلى قوة اقتصادية منتجة، حيث لا تُعد التعاونيات مجرد كيانات تجارية تسعى للربح المجرد، بل هي منشآت اقتصادية مستقلة تتوجه نحو أعضائها وتستند إلى المساعدة الذاتية والمرونة في الإدارة. تُبنى التعاونيات لتلبية احتياجات الأفراد والجماعات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المشتركة، حيث تتيح تحويل الموارد الفردية المحدودة إلى طاقات استثمارية هائلة تُعزز من صمود المجتمعات واستدامتها المالية، وتصنع توازناً فريداً بين البعد التنموي والربحية العادلة.

وعلى الصعيد العالمي، أثبتت التجارب التعاونية حضوراً لافتاً وصارت محركاً رئيساً لاقتصادات دول كبرى. وتأتي تجربة مجموعة "موندراغون" في إقليم الباسك بإسبانيا كواحدة من أنجح النماذج التعاونية الصناعية والأكاديمية والخدمية في العالم، حيث استطاعت توفير عشرات الآلاف من فرص العمل وتحقيق استقرار اقتصادي مستدام للمنطقة عبر نظام ملكية العاملين. وفي اليابان، تُشكل التعاونيات الزراعية الركيزة الأساسية للأمن الغذائي ودعم المزارعين وتطوير سلاسل الإمداد وتسويق المنتجات. كما تُقدم دول شمال أوروبا وهولندا، عبر مؤسسات مصرفية واستهلاكية ضخمة مثل "رابوبنك"، نماذج فائقة النجاح أثبتت أن العمل التعاوني ليس مجرد خيار بديل في أوقات الأزمات، بل هو ركن أصيل في بناء الاقتصاد التنموي الشامل والمتزن.

وتتعدد فوائد القطاع التعاوني لتشمل أبعاداً اقتصادية واجتماعية عميقة؛ فهو يُسهم بفاعلية في الحد من الاحتكار، وتخفيض التكاليف الإنتاجية والاستهلاكية من خلال الشراء والتسويق الجماعي، فضلاً عن دوره المحوري في خلق فرص عمل محلية مستدامة، وإعادة توجيه الأرباح والمدخرات لتنمية المجتمعات المحلية نفسها. كما تمنح التعاونيات أعضاءها فرصاً متساوية في اتخاذ القرار وتطوير المهارات القيادية والتنفيذية، مما يُعزز من روح المواطنة الفاعلة والمسؤولية المجتمعية والحد من التفاوت الاقتصادي.

وفي إطار النهضة التنموية الشاملة التي تشهدها المملكة للوصول إلى مستهدفات رؤية 2030، يبرز نظام التعاونيات الجديد كخطوة تشريعية نوعية ومفصلية لتطوير البيئة التنظيمية لهذا القطاع الحيوي. يأتي هذا النظام ليحل محل النظام السابق الصادر عام 1429هـ، وذلك بعد مضي نحو 18 عاماً على صدوره، مُلبياً التطورات المتسارعة ومواكباً للتطلعات الاقتصادية والاجتماعية للمملكة، ومجسداً حرص القيادة على تمكين القطاعات التنموية الواعدة.

ويركز النظام الجديد على تحديث الأطر التشريعية لتشجيع نمو التعاونيات وتمكينها من التوسع والوصول إلى الأسواق ورؤوس الأموال. وقد شمل النظام ملامح تغيير جوهرية وأساسية؛ تبدأ من اعتماد مصطلح "التعاونيات" بديلاً عن "الجمعيات التعاونية" لتأكيد طبيعتها الكيانية الاقتصادية الشاملة والمرنة، وتستمر عبر تعزيز مبدأ العضوية المفتوحة وتوفير إتاحة ومرونة أوسع في نسب الملكية لفتح آفاق الاستثمار والاستفادة من الموارد والخبرات المتاحة.

كما تميز النظام بتعريف وتنظيم "التعاونيات المركزية" ودورها المحوري في تقديم الخدمات المشتركة، وهو ما يُضاعف من قدرة الكفاءة التشغيلية ويُعزز تنافسيتها واستدامتها. ولم يغفل النظام الأثر الاجتماعي والتدريبي؛ حيث اشترط تخصيص كل تعاونية لجزء من أرباحها لبرامج التدريب وتنمية المهارات والخدمات المجتمعية، مما يضمن تأهيل الكوادر الوطنية وخدمة المجتمع بأسلوب مؤسسي مستدام.. ولضمان الحوكمة والنزاهة، عزز النظام مسؤوليات وممارسات الشفافية والمساءلة، ومكّن وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية من تطوير إجراءاتها وتشديد حوكمتها تجاه المخالفات لحماية حقوق الأعضاء والمستثمرين.

إن هذا التحول التنظيمي المهم، بقيادة ودعم وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، يسعى عبر خطة اتصالية وتوعوية شاملة إلى توحيد الرسائل الإعلامية بين الجهات ذات العلاقة وتأكيد أثر الحوكمة والاستدامة.. إن تمكين التعاونيات السعودية وتوسيع شراكاتها سيسهم بشكل مباشر في رفع نسبة مشاركة هذا القطاع في الناتج المحلي الإجمالي، مما يعود بالنفع الشامل على التنمية الوطنية والازدهار الاقتصادي.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد