سهوب بغدادي
لا أقصد البحر الميت بالتأكيد.
لطالما تكرر علينا مشهد جلوس البطل على البحر يشكي همومه وأحزانه له، إن هناك ارتباطاً بين الحزن والهموم بالبحر، أيضًا بالتأمل والتفكر في الحلول، فتجد المتأمل الباحث عن الهدوء والعزلة، وتجد الشاعر الذي ينظم أبياتًا في ملكوت بحور الشعر، كذلك تجد الفنان، كالفنان عزّت شدّاد الذي عنوَن عمله الفني باسم «هل يموت البحر؟» المتواجد في معرض استمرارية 26 المقام في مركز الدرعية لفنون المستقبل في الرياض برعاية كريمة من هيئة المتاحف بوزارة الثقافة. لقد جسد الفنان عبر العمل التقاء الصورة بالصوت والإحساس الغامر، من خلال قصة إنسانية جسدتها الممثلة آمنة، لقد تأثرت بالعمل وفضلت الكتابة عنه منفردًا باعتباره العمل الفني الوحيد الذي أثر في نفسي إلى حد البكاء! حقًا، لا أبالغ في كلامي، لأن الفنان نقل قصة وفاة والده الدكتور الأكاديمي مراد -رحمه الله- في إحدى جامعات اليمن خلال أداء عمله، إذ انتقل إلى جوار الرحيم بعد عملية إرهابية وتفجير لمبنى الجامعة، مما نتج عنه وفيات وجرحى، ففاضت روح والده إلى خالقها بسبب عدم تمكن الفرق الطبية من الوصول إلى موقع الحادث ثم توفى متأثرًا بجراحه، أخبرني الفنان أنه تلقى الخبر المريع عبر اتصال هاتفي عام 2019 ولم يستوعب رحيله حتى هذه اللحظة، فيأتي هذا العمل كرحلة تشافٍ من الصدمة، باعتبار الفن علاجاً، حيث تلخص الفيلم القصير في تلقي الفتاة آمنة اتصالاً من جهة رسمية لاستلام جثة والدها ومتعلقاته الشخصية، وكانت من متعلقاته قطعة قماش زرقاء، بعد الاستلام، ركبت الحافلة وسط صمت الركاب وضوضاء المحرك وجلجلة الطرقات، لقد أخذت لحظة استيعاب لما حدث بسرعة وذرفت الدموع التي حاربتها بصمت، بعدها توقفت للجلوس على شاطئ عدن، ومعها قطعة القماش الزرقاء التي تبقت من والدها، لترميها في البحر وتنجرف مع الأمواج بعيدًا، ثم ينتهي الفيلم، فجأة، تتحرك قطعة قماش زرقاء مماثلة متواجدة في صالة العرض أمام الزوار!
إن العمل يطرح تساؤلًا جوهريًا في الحياة، هل التخلص من جميع مقتنيات وأثر للراحل يمحو وجوده من الحياة؟ أترك الإجابة لكم.
«الراحلون لا يموتون عندما يواريهم التراب، بل يموتون حقًا عندما ننساهم»، - رشاد نوري غونتكين، رواية «طائر النمنمة».

